الميراث والديون كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

 الميراث والديون
بقلم انجي الخطيب 
أمي غرقت في الديون.. عشرة مليون جنيه! مفيش حل غير إننا نبيع الشاليه بتاعك.
قالتها أحمد وهو قاعد على السفرة، عينه في الموبايل ووشه متهجم. ياسمين كانت لسه بتحط البراد على الترابيزة وبتطلع العيش؛ الصبح كان بادي عادي جدًا. بره الشباك، مطر أكتوبر الخفيف كان مغطي الدنيا، والسما رمادي وكئيبة فوق القاهرة. ياسمين ولعت البوتاجاز، سخنت الطاسة وطلعت البيض من الثلاجة. لاحظت إن أحمد مشدود من أول ما صحي، بس فضلت تسكت.. قالت يمكن ضغط شغل.
كسرت البيض في الطاسة، رشة ملح وفلفل، وقلبته. أحمد ساب الموبايل، صب الشاي وهو ساكت تمامًا. ياسمين حطت البيض في الأطباق وقعدت قدامه. بدأوا يأكلوا. أحمد كان بيمضغ ببطء، كأنه بيأكل خشب، وعينه سرحانة في الفراغ. ياسمين خلصت نص طبقها، ومسحت بؤها بالمنديل.
وفجأة، ومن غير ما يرفع عينه، كرر نفس الجملة
ياسمين، أمي في مصيبة. عشرة مليون جنيه. لازم نبيع شاليه فايد بتاعك.
ياسمين اتجمدت، كوباية الشاي في إيدها، مكنتش قادرة تستوعب الكلمة. الكلام طالع منه ببساطة غريبة، كأنه بيعلق على حالة الجو أو بيقول إن السكر خلص. نزلت الكوباية بالراحة على الطبق وبصت له. هو لسه مش قادر يحط عينه في عينها، وعمال يقلب في

البيض بالشوكة.
إيه؟ سألت بهدوء، بتحاول تتأكد إنها سمعت صح.
أخيرًا رفع عينه بقولك أمي في ورطة. دخلت في مشروع استثماري، والدنيا باظت. دلوقتي عليها ديون.. ديون تقطم الظهر.
ياسمين عقدت حواجبها عشرة مليون جنيه؟
أيوه.
وده إيه علاقته بالشاليه بتاعي؟
أحمد اتنهد وساب الشوكة يا ياسمين افهمي. أمي محتاجة مساعدة. لو الدين ده متسددش، البيت بتاعها هيتحجز عليه. بتوع التحصيل بيكلموها ليل نهار، وبيهددوها.
ياسمين سندت ظهرها على الكرسي. الدنيا لفت بيها. حماتها اتدينت، وأحمد جاي بمنتهى البساطة يقترح يبيعوا شاليه فايد اللي ورثته عن جدتها؟ المكان اللي قضت فيه كل صيف في طفولتها، اللي فيه ريحة أغلى ذكرياتها.
أحمد بدأ يشرح إن والدته، الحاجة فوزية، حطت الفلوس في شركة ناشئة مع واحد معرفة، والراجل فص ملح وداب. فوزية طول عمرها ست شوافّة وبتحب التجارة والمكسب السريع، رغم إنها فوق الستين بس لسه مهتمة بنفسها وبتلبس على الموضة ومبتهمدش، مرة في تسويق شبكي ومرة في صفقات مشبوهة. أحمد حذرها كتير، بس هي مكنتش بتسمع لحد.
مشروع إيه ده؟ ياسمين سألت.
يعني، نوع من الاستثمار. حطت الفلوس مع واحد صاحبه، ووعدها بمكسب خيالي بعد ست شهور. وفي الآخر اختفى، وسابها هي تشيل الشيلة.
وهي استلفتهم؟
أخدت قرض
بضمان الشقة. عشرة مليون جنيه.
ياسمين غمضت عينها. الحاجة فوزية ساكنة في شقة مصر الجديدة، تمنها يجي له عشرين مليون. لو البنك حجز عليها، حماتها هتبقى في الشارع.
ياسمين سألت بحدة وبرضه، أنا مالي بكل ده؟
أحمد هز كتافه يا ياسمين، لو ملقناش حل، أمي هتضيع. لازم ننقذها.
ننقذها؟ ياسمين كررت الكلمة. إزاي بقى إن شاء الله؟
نبيع الشاليه. ونسدد الدين بالفلوس دي.
ياسمين عدلت وقفتها وبصت لجوزها بذهول إنت بجد بتقترح نبيع ملكي وتاريخي عشان نغطي على قراراتها المتهورة؟
أحمد كشر متهورة إيه؟ الست في محنة. الناس بيتنصب عليها، ده بيحصل عادي!
بيحصل عادي إن واحدة تاخد قرض بعشرة مليون وهي معندهاش طريقة تسدده؟
كانت معتمدة على المكسب!
ومشيكتش على اللي بتشغّل معاهم فلوسها؟ مسألتش محامي؟ صدقت أي كلام؟
أحمد صوت علي إيه، إنتي معندكيش قلب؟ دي أمي! أمي يا ياسمين! في ورطة!
ياسمين قامت، وشالت طبقها على الحوض. إيدها كانت بتترعش بس سيطرت على نفسها. أحمد قام وراها
يا ياسمين، أنا عارف إن الشاليه غالي عليكي. بس في النهاية ده بيت، حيطان. أمي إنسانة من لحم ودم. مش هيبقى ليها مكان تروح فيه.
ياسمين بصت له يا أحمد، الشاليه مش مجرد بيت. ده الحاجة الوحيدة اللي فاضلة لي من ريحة جدتي. ده ملكي أنا، وإنت
ملكش حق تتصرف فيه.
أنا مش بتصرف فيه! أنا بطلب منك مساعدة!
مساعدة؟ إنت جاي بتقولي قرار.. إنت مقرر فعلًا إن الشاليه هيتباع!
أحمد سكت. وشه بقى أحمر وعروق رقبته ظهرت. ياسمين شافت في عينه غضب بيحاول يكتمه.
ماشي، قالها بصعوبة. ماشي، أنا مقررتش. أنا بقترح. تعالي نتكلم بهدوء.
ياسمين ربعت إيدها مفيش كلام. أنا مش هبيع الشاليه.
أمال نعمل إيه؟ أمي معندهاش وقت! البنك بدأ إجراءات الحجز!
تبيع شقتها، ياسمين ردت ببرود. تسدد ديونها وتشتري شقة أصغر في منطقة أبعد. أو حتى تأجر.
أحمد بلم تبيع شقتها؟ إنتي مدركة بتقولي إيه؟ أمي عاشت هناك طول عمرها! ده بيتها!
والشاليه بيتي. أنا مش هضيع حقي عشان غلطات غيري.
غلطات غيري؟ دي أمي!
أيوه.. أمك إنت، مش أمي أنا. أنا اللي أخدت القرض؟ أنا اللي تاجرت؟ ليه أنا اللي أدفع الثمن؟
أحمد ضغط على إيده بقوة، ونفسه بقى عالي عشان إحنا أهل! والأهل بيقفوا جنب بعض!
بيقفوا جنب بعض لما يتطلب منهم.. مش لما يتفرض عليهم، ياسمين ردت.
أحمد لف وخرج من المطبخ. ياسمين سمعته وهو داخل الأوضة وبيرزع الباب وراه. فضلت واقفة قدام الحوض، إيدها لسه بتترعش. فتحت المية، غسلت وشها، ونشفت بفوطة.
الشاليه. شاليه جدتها في فايد. بيت دورين على قد حاله بس بجنينة كبيرة، وتكعيبة
عنب، وفرندة واسعة. الجدة ماتت من تلات سنين وسابت
تم نسخ الرابط