ابن الملياردير بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

عن جدران باردة من الرخام، بقى فيه روح. هناء مكنتش مجرد ست البيت، كانت القلب اللي بيضخ الحياة في العروق الميتة. حمزة اتغير، جبروته اللي كان بيخوف القاهرة كلها، بقى بينتهي عند عتبة باب الجناح الشمال. بقى يرجع من صفقاته المشبوهة وتجارته اللي بتتحكم في مصائر ناس، يرمي همومه كلها برا، ويدخل يقعد تحت رجل هناء وهي بتسرح شعرها، كأنه طفل لقى أمه بعد توهة سنين.
لكن الماضي مبيسيبش حد في حاله. في ليلة شتوية تقيلة، حمزة كان متأخر في اجتماع مجلس الكبار، وهناء كانت قاعدة في الليفنج بتقرأ كتاب، وآدم نايم في حضنها. فجأة، النور قطع في القصر كله. السكون اللي حصل كان غريب، حتى المولدات اللي بتشتغل أوتوماتيك فضلت عطلانة. هناء حست بخطر بيقرب، ريحة غريبة بدأت تتسرب للمكان.. ريحة بنزين.
قامت بسرعة وهي شايلة آدم، وبدأت تمشي في الممرات الضلمة وهي بتنهج. حمزة! يا سعاد! يا نادر!.. مفيش حد بيرد. فجأة، شافت خيال بيتحرك في الصالة الكبيرة. كان نادر السواق، بس مكنش نادر اللي تعرفه. كان ماسك ولاعة في إيده، وعينيه فيها نظرة جنون.
نادر؟ بتعمل إيه؟ صرخت هناء وهي بتبعد لورا. نادر ضحك بمرارة حمزة الألفي افتكر إن بفلوسه يقدر يدوس على الكل. حبس زينات، وهددني، وافتكر إني هفضل خدام عنده للأبد. النهاردة، الإمبراطورية دي هتتحرق باللي فيها.
قبل ما هناء تنطق، نادر رمى الولاعة على الستاير الحرير اللي كانت مغرقة بالبنزين. النار شبت في ثواني، الألسنة بدأت تاكل في الكريستال واللوحات الغالية. هناء جريت وهي شايلة آدم اللي بدأ يصرخ، بس الدخان كان أسرع منها. وقعت على ركبها، بدأت تفقد الوعي، وآدم بيشد في
لبسها ويبكي ماما.. قومي يا ماما.
في اللحظة اللي النار كانت هتاكل طرف فستانها، الباب الخارجي انكسر بصوت انفجار. حمزة دخل وسط النار زي الإعصار، مش هاممه الحريق ولا الدخان. شافها واقعة، طار عليها وشال آدم بإيد، وبالإيد التانية رفع هناء كأنها ريشة. خرج بيهم للجنينة وهو بيسعل بقوة، ورمى نفسه بيهم على النجيل الأخضر بعيد عن الانفجارات اللي بدأت تحصل جوه القصر.
بص للقصر وهو بيتحرق، ثروته كلها كانت بتتبخر قدام عينيه، بس هو مكنش بيبص للنار.. كان بيبص لهناء اللي بدأت تفتح عينيها بتعب. حمزة مسك وشها بين إيديه اللي اتلوثت بالهباب، وصوته كان بيترعش لأول مرة أنتِ كويسة؟ آدم كويس؟.
هناء هزت راسها وهي بتكح القصر يا حمزة.. حاجتك كلها بتضيع. حمزة ابتسم ابتسامة فيها وجع ونصر في نفس الوقت، وباس جبينها تغور الفلوس والحيطان.. القصر الحقيقي هو أنتم. أنا بنيت ملكي على الخوف، وعشان كدة اتحرق. النهاردة هبدأ من جديد، بس على الحب.
حمزة ساب القصر يتحرق، وساب ماضيه كله في النار دي. أخد هناء وآدم في عربية بسيطة، وراحوا لبيت أم هناء في السيدة زينب. الملياردير اللي كان العالم بيعمله ألف حساب، قعد على كنبة قديمة وسط ريحة البخور والهدوء، وهو ماسك إيد هناء. وعرف إن القوة مش في النفوذ ولا الرخام، القوة في العين اللي بتثبت في عينك وتقولك أنا مش هسيبك، حتى لو الدنيا كلها ولعت نار.
مرت الأيام في السيدة زينب وهناء بتراقب حمزة وهو بيتحول لشخص تاني خالص. الراجل اللي كان بيمضي صفقات بمليارات، بقى ينزل الصبح يشتري الفطار لآدم ولأمها، ويقعد على القهوة مع ولاد الحارة يدردش في أمور الدنيا. بس هناء
كانت عارفة إن السكون ده هو اللي بيسبق العاصفة، وإن حمزة الألفي مش من النوع اللي يسيب حقه يضيع في حريقة.
في ليلة، حمزة كان واقف في البلكونة الصغيرة اللي بتطل على جامع السيدة، هناء قربت منه وحطت إيدها على كتفه سرحان في إيه يا حمزة؟ لسه بتفكر في القصر؟. حمزة لف لها، وعينيه كانت لمعتها غريبة، لمعة ذئب بيستعد للهجوم مش بفكر في الحيطان يا هناء، بفكر في اللي ولع فيها. نادر كان مجرد أداة، فيه راس كبيرة ورا الموضوع ده، والراس دي لازم تتقطع عشان أقدر أعيش معاكِ في أمان.
فجأة، تليفون حمزة رن، مكالمة من رقم مشفر. رد ببرود سامعك. الطرف التاني كان صوته فحيح أفعى عاش من شافك يا ألفي.. افتكرت إنك مت في الحريقة، بس طلعت زي القطط بسبع أرواح. نصيحة، سيب البنت والولد واهرب بجلدك، لأننا عرفنا مكانك في الحارة المعفنة دي.
حمزة ضغط على سور البلكونة لدرجة إن عروق إيده برزت، وقال بابتسامة مرعبة أنا اللي مستنيكم.. الحارة اللي مش عاجباك دي فيها رجالة، والقصر اللي اتحرق كان سجن، إنما هنا.. هنا ساحة الحرب. قفل السكة وبص لهناء ادخلي جوه، خدي آدم وأمك واقفلوا الأوضة عليكوا، وم تفتحيش لأي حد مهما حصل.
خلال ساعة، الحارة كانت اتقلبت. عربيات سودة دفع رباعي دخلت وقفلت المداخل. نزل منها رجالة ملثمين ومعاهم سلاح، والناس بدأت تستخبى وتلم عيالها. حمزة نزل لوحده، وقف في نص الشارع، لابس قميص أسود وشمر كمامه، وبصوت هز المنطقة صرخ أنا حمزة الألفي! اللي عايزني يواجهني راجل لراجل، مش يبعت عيال تحرق بيوت!.
واحد من الملثمين قرب منه ورفع سلاحه، بس قبل ما يضغط على الزناد، كانت طلقة قناص مجهولة جابت
أجله. وفجأة، الحارة كلها نورت كشافات، ورجالة حمزة اللي كانوا مستخبيين في كل ركن ظهروا. نادر كان من ضمن الملثمين، وقع في قبضتهم وهو بيترعش.
حمزة قرب من نادر، مسكه من رقبته ورفعه لفوق مين اللي بعتك يا نادر؟ انطق قبل ما أدفنك هنا!. نادر وهو بينهج سليم.. سليم الهواري.. المنافس بتاعك، هو اللي دفع لي. حمزة رمى نادر لرجالته بتركيبة من القرف وقال ودوه للمكان اللي ميرجعش منه.
طلع حمزة الشقة، دخل لقى هناء واقفة ورا الباب وماسكة مقشة بتمثل القوة وهي بتموت من الرعب. أول ما شافته، اترمت في حضنه وهي بتعيط. حمزة ضمها بقوة خلاص يا هناء، اللعبة خلصت. سليم الهواري انتهى، ورجالتي قفلوا الحساب مع الكل.
بعد أسبوع، حمزة أخد هناء وآدم وراحوا لمكان جديد، مش قصر زجاجي بيطل على النيل، لكن فيلا دافية وسط جناين، مكان فيه روح وحياة. حمزة بص لهناء وقالها أنا بعت كل شغلي القديم، وصفيت حساباتي مع الكل. من النهاردة أنا مجرد حمزة، جوز هناء وأبو آدم.
هناء ابتسمت وهي شايفة آدم بيلعب مع تيتة في الجنينة، وقالت له والفلوس اللي ضاعت؟. حمزة مسك إيدها وباسها الفلوس بتيجي وتروح، بس الحضن اللي بيثبتك وقت النار، والقلب اللي بينزل لمستواك عشان يفهم وجعك، ده اللي ملوش تمن. أنتِ أغلى صفقة كسبتها في حياتي يا هناء.
وفي اللحظة دي، آدم جرى عليهم وهو بيضحك وبصوت واضح قال بابا.. ماما.. أنا بحبكم أوي. حمزة شال آدم وحضن هناء، والقاهرة من تحتهم كانت هادية، كأنها بتبارك لبداية حياة مفيهاش وحوش، فيها بس قلوب لقت طريقها للبيت.
مرت السنين زي الثواني في الفيلا الجديدة، والهدوء اللي كان حمزة بيفتكره ضعف بقى هو
مصدر قوته الحقيقية. آدم
تم نسخ الرابط