سكن الروح حكاية منصور و فوزية كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
المحتويات
الحوش، وياسين بيجري ورا قطة، وآية بتضحك بصوت عالي عند السور.
ومنصور كان واقف مع فوزية بيوريها إزاي تمسك لجام الحصان من غير ما تخاف.
وفوزية كانت بتضحك، ووشها منور من الفرحة لأول مرة.
وفجأة.. سمعوا صوت موتور عربية.
صوت عالي.. وسريع.. ومخيف.
عربية جيب سودة فخمة دخلت العزبة بسرعة جنونية وفرملت قدام السرايا، لدرجة إن التراب غطى المكان كله.
فوزية جسمها اتخشب.
الببان اتفتحت.
ونزل منها راجل.. طويل، شعره منكوش، والغل باين في عينيه.
جوزها.
فوزية وشها بقى أبيض زي الورقة، والرعب شل حركتها.
لكن اللي نزل من الناحية التانية هو اللي خلى الدم يتجمد في عروق منصور.
ست لابسة فستان غالي ونضارة شمس سودة.
شياكة.. بس فيها سم.
قلعت النضارة ببطء.. ومنصور حس إن الأرض بتتهز تحت رجله.
دي كانت لورين.. مراته القديمة.
بصت لمنصور، وبعدين لفوزية، وبعدين للعيال، وضحكت ضحكة صفرا تقطع القلب.
وقالت يا عيني يا منصور.. بقيت بتلم فضلات غيرك؟ الراجل اللي مبيعرفش يجيب عيال، قرر يربي عيال مش بتوعه؟
فوزية رجعت لورا وهي مرعوبة أول ما جوزها قرب منها.
منصور شاف في عينيها خوف السنين.. الخوف اللي الست بتتعلمه لما بتتهان.
وفجأة.. جوز فوزية مد إيده ورا ضهره..
وطلع طبنجة من تحت حزامه.
محدش في العزبة كان يتخيل إن اللحظة دي هينفجر فيها كمية
بقلم انجي الخطيب
الجزء الثاني والأخير
الزمن توقف تماماً في عزبة الجبالي.
صوت شقشقة العصافير اختفى، وحل محله صوت أنفاس مكتومة، ونظرات مسمومة.
الراجل اللي نزل من العربية الجيب، عزمي، كان باين عليه إنه مش في وعيه تماماً.. عيونه حمرا من الغضب وربما من سُكر، والطبنجة في إيده بتترعش بس متوجهة لصدور الكل.
فوزية، اللي كانت من لحظات بتضحك بكسوف، اتحولت لتمثال من ملح. الرعب شل أطرافها، لدرجة إنها مكنتش قادرة حتى تصرخ للعيال عشان يستخبوا.
لكن منصور الجبالي.. متهزش.
بالعكس، الدم غلي في عروقه بغضب مكنش غضب صاحب ملك بيدافع عن أرضه، كان غضب راجل بيدافع عن حرمة بيته وعن ناس دخلوا تحت حمايته.
خطوة واحدة.. وبقى منصور واقف قدام فوزية تماماً، سد بجسمه العريض الرصاص المحتمل عنها.
نزل البتاع ده يا عزمي.. منصور قالها بصوت واطي، بس يرعب أكتر من الزعيق. صوت زي فحيح التعبان. أنت داخل عزبة الجبالي، ومش هتخرج منها حي لو فكرت ترفع صباعك بس.
لورين، اللي واقفة تتفرج بشماتة، ضحكت ضحكة عالية ومستفزة. يا حلاوة! منصور الجبالي بقى عنتر زمانه؟ بيدافع عن الخدامة وشحاتينها؟ نسيت إنك مش راجل يا منصور؟ نسيت الفضيحة؟
الكلمة نزلت على منصور زي الساطور. جرح قديم انفتح ونزف قدام الكل.
بس المرة دي، الوجع مكنش بيضعفه.. كان بيقويه.
لأنه بص بطرف عينه وراه، وشاف نظرة فوزية ليه.. مكنش فيها نظرة الشفق اللي بيشوفها في عيون أهل الكفر، كان فيها نظرة رعب عليه واحتياج ليه. فوزية كانت شايفة فيه البطل، مش العقيم.
وفي اللحظة اللي لورين كانت مستنية فيها انكساره، منصور ضحك.
ضحكة قوية، رجولية، خلت لورين تسكت من المفاجأة.
الراجل يا لورين.. منصور قال وهو بيقرب خطوة من عزمي وعينه في عينه، هو اللي بيحمي بيته وعرضه واللي استجار بيه.. مش اللي بيخلف عيل ويرميه هو وأمه في الشارع، أو اللي بيسيب مراته تقعد مع راجل غريب في عربية واحدة.
الكلمة لفت حبل المشنقة حوالين رقبة لورين وعزمي. عزمي بص للورين بشك، ولورين وشها جاب ألوان.
أنت بتخرف بتقول إيه! عزمي صرخ، وصباعه قرب من الزناد.
في اللحظة دي، العيال انتبهوا للدوشة. ياسين، الولد الصغير، شاف الراجل اللي ماسك مسدس وبيزعق لأمه وعمو منصور. من غير تفكير، ومن فرط حبه لمنصور اللي بقى بيعتبره قدوته، وياسين بيجري وسط الغيطان، مسك طوبة كبيرة من الأرض وحذفها بكل قوته على عزمي.
الطوبة جت في كتف عزمي، خلت المسدس يقع من إيده على الأرض الترابية.
منصور مضيعش ثانية.
زي الفهد، نط على المسدس وخده، وبلمحة بصر كان المسدس متوجه لصدر عزمي.
وفي نفس الوقت، رجالة العزبة
اربطوهم! منصور أمر بصوت جهوري.
الرجالة هجموا على عزمي وكتفوه، ولورين بقت تصرخ وتستغيث، بس مفيش حد سمى عليها.
فوزية، أول ما حست إن الخطر زال، جسمها انهار. وقعت على ركبها على الأرض وهي بتعيط بهستيريا. العيال جريوا عليها وحضنوها، وياسين ماسك فيها وبيقول أنا ضربته يا ماما.. أنا ضربته عشان عمو منصور.
منصور نزل لمستوى فوزية والعيال.
حط المسدس في جيبه، ومد إيده لفوزية.
قومي يا فوزية.. قال بصوت حنين، مكنش حد في العزبة يتخيل إنه موجود فيه. أنتي في حمايتي.. ومحدش هيقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا عايش.
فوزية رفعت راسها وبصت في عينيه.. عيون غرقانة دموع، بس فيها لمعة أمل وامتنان ملوش حدود. مسكت إيده، وحست بدفء وأمان محستش بيهم من سنين طويلة.
بعد الحادثة دي، الدنيا اتقلبت في الكفر.
منصور الجبالي سلم عزمي ولورين للشرطة، وبتهمة الشروع في قتل واقتحام ملكية خاصة، وكمان اتكشفت بلاوي تانية عن عزمي وتجارته المشبوهة. لورين خرجت من حياته للأبد، بفضيح أكبر من اللي حاولت تعملها ليه.
أما في عزبة الجبالي.. فالحياة بدأت بجد.
منصور مكنش بيسيب فوزية والعيال لحظة.
البيت بقى مليان ضحك ولعب. ياسين بقى ساعد منصور الأيمن في العزبة،
متابعة القراءة