سكن الروح حكاية منصور و فوزية كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
آخر حاجة كان يتوقعها منصور الجبالي وهو واقف قدام بوابة عزبته في قلب ريف مصر، إنه يشوف ست بشعر مائل للحُمرة ومعاها تلات أطفال، ومعاهمش في الدنيا دي غير هدومهم اللي عليهم.
لثواني.. وقف مكانه زي الصنم.
ساكت..
بارد..
وملامحه متبينش أي حاجة.
شمس العصر كانت بترمى خيوطها الدهبية على فدادين عزبة الجبالي، الأرض اللي بتمتد لحد ما عينك تجيب، وسط شجر الجميز والنخيل اللي مالي المكان. منصور وهو واقف على عتبة السرايا، كان باين كأنه منحوت من طين الأرض دي.. راجل في الأربعين، كتافه عريضة، وشه نحتته الشمس، وعينيه سودة وحادة، مبيطلعش منها سر لأي حد.
أهل الكفر كانوا بيقولوا عليه إنه إيده ناشفة وقلبه قاسي، بيدير العزبة بميزان الذهب ومبيعرفش الرحمة.
ومكنوش غلطانين.
من سنين طويلة، جوازته انتهت بكسرة نفس وفضيحة عمرها ما سابت باله. مراته القديمة خرجت من البيت وهي بتصرخ قدام الكل وبتقول إنه مش راجل وإنه عقيم مش هيعرف يخلف عيل يشيل اسمه. وفي بلد زي دي، الكلمة دي مكنتش مجرد جرح.. دي كانت وصمة بتعلم في قلب الراجل للأبد.
ومن يومها، منصور قفل قلبه بالضبة والمفتاح. عاش مع أمه، مبيدخلش حد حياته، ودفن أي حنية جوه صدره تحت تراب الشغل والسهر والسكوت. فكرة إنه يحب تاني أو يثق في حد بقت بالنسبة له درب من الخيال.
لحد
الباب اتفتح.. ونزلت منها ست.
باين عليها التعب، بس مفيش في ملامحها انكسار. شعرها ملموم لورا بعشوائية، ووشها شايل هموم سنين طويلة، بس عينيها كان فيها نظرة وحش بيحمي ولاده.. نظرة حد شاف الويل وقرر إنه مش هيرجعله تاني مهما حصل.
وبعدها العيال نزلوا.
البنت الكبيرة، عندها حوالي عشر سنين، واقفة بحذر وبتبص لكل ركن كأنها بتوزن الأمور. والولد، يدوب سبع سنين، واقف مبلم في الخيل اللي بتجري بعيد كأنه أول مرة يشوف جمال كدة. والبنت الصغيرة، مكملتش أربع سنين، ماسكة في عروسة قماش بضوافرها كأنها جزء من جسمها.
منصور جسمه كله اتشنج.
هو بيكره المفاجآت.. بيكره الدوشة.
وتلات عيال يعني صداع ملوش آخر.
الست قربت منه بخطوات ثابتة رغم إن إيديها كانت بتترعش.
وقالت بصوت هادي وواضح مساء الخير يا متر.. أنا اسمي فوزية. ناس في الكفر قالولي إن حضرتك محتاج طباخة ومديرة للبيت.. وأنا جاية أطلب الشغلانة دي.
منصور بصلها من فوق لتحت.
وبعدين بص للعيال.
وبعدين رجع بصلها تاني وقال ببرود ومعاكي تلات عيال؟ دي عزبة شغل ومرواح ومجي، مش حضانة يا ست أنتي.
الكلمة كانت تقيلة، بس فوزية متهزتش.
للحظة، منصور افتكرها هتشحت
بس معملتش كدة.
وقبل ما تنطق بكلمة، باب السرايا اتفتح وراه.
وخرجت الحاجة كريمة.. والدة منصور.
ست عندها 66 سنة، شعرها أبيض بوقار، عينيها بتفهم كل حاجة من نظرة واحدة، ولها هيبة تخلي أعتى الرجال يلموا نفسهم وهما بيتكلموا معاها. بصت لفوزية، وبعدين للعيال، وبعدين لابنها.
وقالت بلهجة مفيهاش نقاش دخليهم يا منصور.. شكلهم ميتين من الجوع.
وبعدين غمزت لمنصور وقالت بحدة وبطل تنشف ريق الناس قبل ما أشرب معاهم حتى فنجان قهوة.
في الليلة دي، فوزية أثبتت حقها في المكان من غير ما تتكلم.
قبل المغرب، كانت ريحة المطبخ مالية السرايا، روايح منصور نسيها من سنين.. ريحة طواجن اللحمة بالبصل، والعيش المحمص، والملوخية اللي ريحتها جابت لآخر العزبة. البيت اللي كان دايما حزين وفاضي، فجأة بقى فيه روح.
منصور قعد على العشاء وهو ناوي يفضل رسمي وبعيد.
بس أول ما داق أول لقمة.. سكت.
مش عشان الأكل فخم.. بس عشان طعمه فيه نفس البيت الحقيقي.
وفجأة، وسط السكوت، البنت الصغيرة سألته بصوت واطي وهي بتبص في عينيه يا عمو.. هو أنت ليه دايما وشك زعلان؟
الولد ياسين نغزها في كتفها بسرعة.
والبنت الكبيرة سلمى غمضت عينيها كأنها مستنية الكارثة.
حتى فوزية وشها جاب ألوان من الكسوف والخوف.
لكن منصور.. اللي مضحكش من سنين
ابتسامة.. صغيرة.. مكنتش على البال.
لكنها كانت حقيقية.
وقال وهو بيبص في الطبق ماشي.. هتفضلوا هنا أسبوع تجربة.
وده كان كل اللي محتاجينه.
في أيام قليلة، العزبة اتغيرت تماما.
العيال ملوا المكان حركة وحياة. ياسين سمى كل الفراخ اللي في العشة وبقى بيتعامل معاهم كأنهم صحابه. سلمى بقت ظل الحاجة كريمة في الجنينة بتساعدها في الزرع. أما آية الصغيرة.. فدي مبقتش تخاف من منصور خالص، وبقت بتمشي وراه في كل حتة كأنها خياله الصغير.
وفوزية كانت بتشتغل من النجمة لحد نص الليل، لا بتشتكي ولا بتطلب عطف، ولا شايفة إن الدنيا مديونة لها بحاجة.
وفي ليلة، بعد ما العيال ناموا، منصور وفوزية قعدوا على المصطبة قدام السرايا ومعاهم كوبايتين شاي، تحت سما الريف الواسعة.
وهناك.. بدأ يعرف الحكاية.
فوزية مكنتش بس غلبانة ومحتاجة قرش.
فوزية كانت هاربة.
جوزها كان راجل مؤذي، إيده والضرب، وعينه والشر، ولما بيشرب بيفقد عقله. هي هربت بولادها عشان القعدة معاه بقت موت محقق، والبعد عنه كان هو طريق النجاة الوحيد.
منصور كان بيسمع أكتر ما بيتكلم.
بس في حاجة جواه بدأت تتغير..
مش فجأة.. بس بدأت.
لأول مرة من سنين، حس إن العزبة دي مش سجن هو حابس نفسه فيه.. دي ممكن تكون فرصة
لكن فجأة.. الهدوء ده انكسر.
العيال كانوا بيلعبوا في