وجع لا ينسي بقلم انجي الخطيب
المحتويات
رديت ببرود أيوة؟.. جالي صوت مرعوش وواطي، صوت كنت أحفظه من وسط ألف صوت، صوت أمي وهي بتقول الحقيني يا كريمة.. منصور تعب وباهر ضيع كل اللي ورانا وقدامنا في القمار والديون، والبيت هيتحجز عليه.. أنتي فين يا بنتي؟.
سكتت لحظة، وحسيت بنشوة غريبة مكنتش أتخيلها، مسكت القلم وضغطت عليه بقوة وقولت لها أنا في المكان اللي أنتي رمتيني فيه يا ليلى.. في الشارع، بس الفرق إن الشارع اللي رمتيني فيه، دلوقتي بقى ملكي.. منصور وباهر ملهومش عندي غير الخمسين جنيه اللي رمتيها في إيدي يومها، والبيت اللي خايفة عليه.. أنا اللي اشتريت ديونه من البنك الصبح.. يعني من هنا ورايح، أنتوا اللي خدامين عندي.
صوت أمي في التليفون كان فيه رنة ذل عمري ما سمعتها قبل كده، كانت بتنهج وبتحاول تستعطفني بكلمة يا بنتي، الكلمة اللي نسيت تقولها وأنا بترمى في عز البرد.. قفلت السكة في وشها من غير ما أسمع كلمة زيادة، وقمت وقفت قدام الشباك وبصيت على أضواء القاهرة، وحسيت إن الهوا اللي داخل صدري بقى أخيراً نضيف.
تاني يوم الصبح، ركبت عربيتي ورحت للحارة اللي اتربيت فيها.. الحارة اللي كانت شاهدة على ذلي.. نزلت من العربية ببدلتي السوداء وشياكتي اللي مكنوش يحلموا
طلعت السلم، نفس السلم اللي نزلت عليه وأنا بسحل رجلي ودراعي مكسور.. خبطت على الباب بإيدي اللي بقت متزينة بخواتم دهب، وفتحت لي أمي.. وشها كان باهت، كبرت مية سنة في تلات سنين، وأول ما شافتني حاولت تاخدني في حضنها وهي بتعيط كريمة! يا حبيبتي يا بنتي، كنت عارفة إن قلبك أبيض وهتيجي تنقذينا.
زقيت إيدها ببرود ودخلت الشقة.. الشقة اللي كانت ريحتها هم وقرف.. لقيت منصور قاعد على الكرسي، مشلول نصفي، عينه مكسورة ومبيقدرش ينطق غير تمتمة ميتفهمش منها حاجة.. وباهر؟ باهر الشبح كان قاعد في الركن، دقنه طويلة وهدومه مش نظيفة، وأول ما شافني قام وقف بخوف.. بصيت لهم واحد واحد وطلعت من شنطتي ورقة الخمسين جنيه المبلولة اللي كنت محتفظة بيها في محفظتي طول السنين دي كأنها تميمة حظي.
رميتها على الترابيزة قدامهم وقولت بصوت زي الرصاص الخمسين جنيه دي هي اللي فاضلة لكم عندي.. البيت ده بقى بتاعي قانوناً، والورق أهو.. منصور اللي كان بيفتري بحزامه، النهاردة مش قادر يرفع إيده يهش دبانة من على
أمي صرخت حرام عليكي يا كريمة، ده مهما كان جوز أمك وأخوكي، هنروح فين في السن ده؟.. ضحكت بصوت عالي خلى باهر يتنفض هتروحوا في نفس المكان اللي رميتوني فيه.. الشارع.. بس أنا أحسن منكم، أنا مش هرميكم حافيين.. هسيبكم هنا في الأوضة الصغيرة اللي كنت بنام فيها على الأرض، وهتخدموا في البيت ده زي ما كنت بخدمكم.. ملقم لقمة، ونفس بنفس، والبيت ده إدامي هيتكنس ويتمسح كل يوم من غير غلطة، وإلا.. الشارع أوسع من البيت.
باهر حاول ينطق ويقول إنتي اتجننتي؟، بس بصة واحدة مني ومن الحرس اللي كانوا واقفين ورا الباب خلته يبلع لسانه.. في اللحظة دي، شفت في عيونهم نفس الرعب اللي كنت بحسه وأنا طفلة.. الفرق الوحيد إني مكنتش ظالمة زي فرانك، ولا خاينة زي ليلى، أنا كنت بس برد الديون.. وقفت على الباب وقلت لهم قبل ما أمشي الشغل هيبدأ من بكرة يا ليلى هانم.. وممنوع العياط، أصل أنتوا عارفين.. العياط بيبقى دراما ومحن، مش كده؟.
نزلت السلم وأنا حاسة بتقل انزاح من على قلبي.. مكنتش فرحانة في وجعهم، بس كنت حاسة إن الحساب اتقفل، وإن كريمة اللي انكسرت زمان، النهاردة جبّرت خاطر نفسها
مرت الشهور والحال اتقلب في الشقة.. أمي ليلى اللي كانت بتعيش دور الهانم، بقت هي اللي شايلة الفوطة والمقشة، وباهر اللي كان مبيشلش كوباية من مكانها، بقى هو اللي بيغير لمنصور ويغسل له هدومه.. كنت بروح هناك كل أسبوع، مش عشان صلة رحم، لا، كنت بروح عشان أتأكد إن العدل بيتحقق.. كنت بقعد حاطة رجل على رجل، وأشاور لأمي على تراب فوق الدولاب وأقول لها ببرود إيه يا ليلى؟ البيت مش نظيف ليه؟ أنتي كبرتي ولا إيه؟.. كانت تبص لي وعينها مليانة دموع وتقول ارحمي كبري يا كريمة، أنا أمك، كنت أرد عليها بضحكة رنانة الأم هي اللي بتشيل بنتها من التلج يا حبيبتي، مش اللي بتفتح لها الباب وتقول لها غوري في داهية.
باهر حاول في يوم يتمسكن، جالي المكتب وبدأ يمثل دور الأخ الغلبان كريمة، أنا أخوكي، افتحي لي مشروع، خليني أقف على رجلي، بلاش الذل اللي إحنا فيه ده، بصيت له من فوق لتحت وطلعت له كوباية ميا ساقعة من تلاجة المكتب، حطيتها قدامه وقولت له فاكر يوم ما قولت لي قومي هاتي لي كوباية ميا؟ يومها كان نفسي حد يحس بيا، دلوقتي أنا بحس بيك أهو، اشرب الميا وغور على البيت عشان منصور محتاج حد يسنده يروح الحمام.
منصور كان أصعبهم حالاً،
متابعة القراءة