وجع لا ينسي بقلم انجي الخطيب
المحتويات
مسكت الخمسين جنيه وعصرتها في إيدي وكأنها رقبة منصور، وحلفت بربي إن اليوم اللي هرجع فيه، مش هيكون عشان أطلب السماح، ده هيكون عشان أحاسبهم على كل قلم، وكل وجع، وكل ليلة نمتها في الطل.. الدنيا كانت بتمطر، بس أنا كنت حاسة إن جسمي بيغلي، ومن اللحظة دي، مقتت كريمة الخدامة، واتولدت واحدة تانية خالص، واحدة هتحرق كل اللي حرقوا قلبها.
فضلت قاعدة على الرصيف وساندة ضهري على سور المحطة، والبرد كان بياكل في جسمي لدرجة إني مكنتش عارفة أنا بتعاش بسببه ولا بسبب القهرة اللي في قلبي.. بصيت للخمسين جنيه اللي في إيدي، الورقة كانت مبلولة وعليها نقط دم من شفايفي اللي اتفتحت، ضحكت بوجع وقولت في سري ده تمن العِشرة يا ليلى؟ ده تمن السنين اللي خدمتك فيها انتي والمحروس جوزك؟.. فجأة سمعت صوت خشخشة وجزمة ماشية على الأرض بتسحب، رفعت عيني بخوف ولقيت راجل عجوز بجلابية قديمة وفوقيها جاكيت مهلهل، كان بيلم بلاستيك من الشارع، وقف قدامي وبص لوشي الورمان ودراعي اللي مدلدل، وسكت ثانية وبعدين طلع من جيبه منديل قماش نضيف وحطه في إيدي وقالي بصوت واطي قومي يا بنتي، الشارع مبيحمش الضعيف، والدموع دي غالية بس مبيشوفهاش غير اللي قسى قلبه.. كلامه كان
عدى أسبوع والتاني وأنا محبوسة في أوضة عند خالتي سعاد، دراعي متجبس وقلبي هو اللي كان محتاج تجبيرة بجد.. كنت بسمع صوت أمي وهي بتكلم خالتي في التليفون وبتقول لها ببرود خليها عندك تتربى، عشان تعرف إن الله حق وتعرف إن كلمة منصور متبقاش اتنين.. كانت فاكرة إنها بتعاقبني، مكنتش تعرف إنها بتديني فرصة العمر عشان أنسلخ منهم للأبد.
في يوم، قمت وقفت قدام المراية، شلت الشاش اللي كان على وشي، الكدمات بدأت تصفر وتختفي، بس السواد اللي في عيني كان بيزيد.. قلت لخالتي سعاد أنا مش هفضل عالة عليكي يا خالتي، أنا هنزل أدور على شغل.. خالتي لطمت على صدرها وقالت تشتغلي إيه يا بنتي وأنتي لسه يدوب بتفكي الجبس؟ والناس هتقول إيه؟.. بصيت لها بثقة غريبة عليا وقولت اللي كان يهمني رأيهم رموني في التلج يا خالتي، الشغل مش عيب، العيب إني أستنى حد يحن عليا بلقمة.
نزلت الشارع، وبدأت أدور في المحلات والمصانع الصغيرة اللي في المنطقة.. الكل كان بيبص لدراعي المربوطة
بدأت الشغل من النجمة، كنت بغسل الأطباق وأنا بضغط على وجع دراعي وبكتم صرختي، كنت بنضف الخضار وأنا بتخيل إن السكينة دي هي اللي بقطع بيها كل خيط بيوصلني بالماضيّ.. وفي يوم، الشيف الكبير تعب ومجاش، والطلبات كانت بالهبل، وقفت وسط المطبخ وبدأت أوجه الناس وأطبخ الأكلات اللي كنت بتفنن فيها عشان منصور يرضى عني.. الكل انبهر، وصاحب المطعم وقف يتفرج عليا وأنا لهلوبة في المكان.
مرت سنة، وسنتين، وكريمة الخدامة بقت شيف كريمة، ملامحي اتغيرت، لبسي اتغير، وطريقة كلامي بقت حادة زي الموس.. مكنتش بصرف مليم في الفاضي، كنت بجمع القرش على القرش وببني لنفسي كيان.. وفي ليلة، كنت قاعدة في مكتبي الصغير في المطعم اللي بقيت شريكة فيه، لقيت الموبايل بيرن برقم غريب.
متابعة القراءة