بين حلم بيت.. وقسوة قلب كامله بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

 بيعوا البيت.. وأختك تاخد تمنه تشتري شقة تلم نفسها فيها. كلمات الأم نزلت هادية، عادية، كأنها بتطلب كوباية شاي.. بس مروة حست بيها زي طلقة غدر، صدمة ناشفة حرقت روحها من جوه.
الأساسات كانت اترمت في أواخر أغسطس، وقت ما الهوا الصبح بيبقى فيه نسمة برد، والأرض لسه بتطلع بخار الندى. تامر كان واقف على حرف الحفرة، باين عليه التعب بس عينه بتلمع وهي باصة لخرسانة السيميلات.. كان بيبتسم ابتسامة حد أخيراً شايف حلمه بيتشكل قدامه لحم ودم، مش مجرد ورق. مروة كانت واقفة جنبه، ضامة إيديها على صدرها.. مش من الساقعة، لأ، دي كانت بتحاول تهدي الرعشة اللي جواها، رعشة الخوف من الفرحة لما تقرب.
أدينا بدأنا يا مروة، قالها باختصار.
الحمد لله يا تامر.. الحمد لله، مكنتش قادرة تنطق غيرها.
وبالنسبة لهم، الكلمتين دول كانوا كفاية أوي.
الطريق للأساسات دي كان سنين من النحت في الصخر. كل قرش كان له تمن وغلاوة. مروة باعت شقتها الصغيرة، الشقة اللي عاشت فيها تمان سنين، حيطانها حافظة ضحكها ووجعها وريحة قهوتها كل صباح. الفراق عنها كان بيوجع، بس وهي باصة لماكيت البيت الجديد، كانت عارفة إن التمن يستاهل. وتامر باع حتة الأرض اللي ورثها عن جده في الريف، ست قراريط ببيت قديم ونخلة طرحها شحيح.. جدي

أكيد هيسامحني لما يعرف إني ببني ستر لولادي، قالها وهو بيطمن نفسه.
عدّوا الفلوس مية مرة، وحسبوها بالمليم، ورغم كده كانت الحسبة دايمًا بتبان مهزوزة. بناء البيت ده زي البير، كل ما تخلص مرحلة تفتح بقها للي بعدها. كهرباء، سباكة، نقل، خامات.. والأسعار بتجري أسرع من ملاحقتهم لها. عشان كده عاشوا على القد.. لا مصايف، ولا خروجات، ولا رفاهية زايدة.
عربيتهم ال نقل القديمة، اللي لونها بهت ومكيفها بيطلّع روحه، فضلوا متمسكين بيها عشر سنين. صحابهم كانوا بيترقوا إيه يا تامر، العربية دي آخرها تودي رمل للمواقع! كان يضحك ويقول المهم إنها ماشية وسترينا.
مروة كانت شغالة مدرسة في سنتر تعليمي كبير، كانت بتطبق باليومين، تاخد حصص إضافية وتقعد طول الليل ورا اللاب توب. وتامر كان ماسك فرقة مقاولات تركيبات، مبيفوتش شغلانة حتى في الأعياد.. عشان خاطر البيت، الكلمة دي كانت بتهون عليهم شقاهم.. البيت اللي فيه تراس واسع، والشمس ساعة الغروب بتفرش نورها على الجنينة الصغيرة.. نفس الجنينة اللي خطفت قلبهم من أول يوم شافوا فيه الأرض.
في الخريف، الدور الأول طلع. وفي الشتا، الحيطان وقفت؛ كانت لسه طوب أحمر وناشفة، بس بالنسبة ل مروة كانت حية. كانت بتروح هناك لوحدها في الويك إيند، تمشي في مساحة المطبخ
وتتخيل هنا الشباك، هنا التربيزة، وهنا النيش القديم اللي هتعيد دهانه بإيدها. كل حاجة كان ليها معنى، وكل طوبة ليها حكاية.
كل ده كان ماشي.. لحد ما الرسالة وصلت.
ظهرت فجأة على شاشة الموبايل في يوم تلات عادي، بين ضغط الشغل وزحمة اليوم. مروة، أنا ماما. عاملة إيه؟ وحشتيني، مابتسأليش يعني.
مابتسأليش.. كلمة تقيلة، وهما بقالهم تلات سنين مبيتكلموش بجد. الأم كانت عايشة في عالمها الخاص، العالم اللي مبيفتحش بابه غير ل سارة. البنت الصغيرة. المدللة. سارة.
مروة هي الكبيرة. والكلمة دي من وهي طفلة مكنتش ميزة، كانت حكم بالأشغال الشاقة الكبيرة لازم تستحمل. الكبيرة لازم تعذر. الكبيرة بتفهم لوحدها من غير شرح. لما سارة كانت بتطلب دروس موسيقى، مروة كانت بتروح مدرسة حكومة. لما سارة كانت بتجيب لبس العيد غالي، مروة كانت بتلبس اللي صغر على قرايبها. مكنش كره من الأم، بس كان منطقها إن فيه بنت رقيقة محتاجة رعاية، وبنت جامدة تقدر تشيل نفسها.
ومروة استوعبت الدرس، واتعلمت تكون قوية.
ردت بردود دبلومسية الحمد لله، الشغل، البيت. الأم دخلت في التفاصيل، بدأت تحكي كتير عن حاجات مروة مطلبتش تعرفها. واتضح إن الدنيا اتقلبت ب سارة. البنت اللي استثمروا فيها كل حاجة، خسرت كل حاجة. الفلوس راحت في
تجارة خسرانة لجوزها، في طموحات أكبر من إمكانياتها، وفي عيشة منظرة كانت أوسع من جيبها. جوزها سابها، والقرشين خلصوا، وقررت ترجع القاهرة تبدأ من جديد.
مروة كانت بتقرأ وبتقول في بالها معلش، عندها تلاتين سنة، آن الأوان تتعلم. بس الأم مكنتش ناوية تسكت. الزيارة جت فجأة.. تليفون بليل، وتاني يوم كانت عندها. مروة استقبلتها بأدب، أكلتها وفرشتلها تنام. الأم كانت بتبص لشقة الإيجار الضيقة بعين مش مرتاحة.
أخبار البيت الجديد إيه؟ سألت الأم.
ماشي حاله، بنعافر، ردت مروة.
أكيد كلفكم كتير.
كتير أوي يا ماما.
الأم هزت راسها وسكتت، وبعدين سألت بصوت واطي ومريب
هي الأرض مكتوبة باسمكم انتوا الاتنين؟
أيوه، باسمي وباسم تامر.
هنا مروة حست بقبضة في قلبها. غريزة الطفولة اللي بتقولها إن الكلام لسه مخلصش، وإن دي مجرد فرشة للي جاي.
الأم مشيت. وبعد أسبوع، جه التليفون اللي فيه القاضية.
يا مروة، لازم نلاقي حل لسارة.
خير يا ماما؟
سارة في وضع صعب، وأنتي عارفة أختك، مش قوية زيك ولا حمالة أسية. محتاجة حد يقف جنبها.
يا أمي، وأنا ذنبي إيه؟
إزاي تقولي كده؟ أنتي طول عمرك السند والشيلة التقيلة.
الشيلة التقيلة.. الجملة اللي بيستخدموها عشان يسرقوا حقك وأنتي مبتسمة.
يا ماما، إحنا حاطين دمنا ولحمنا
في البُنا، ممعناش مليم زيادة،
تم نسخ الرابط