وليمـة الخـذلان كـاملة بقلـم انجي الخطيب
مريم هزت راسها: "اتعلمت من أساتذة."
لما الباب اتقفل، مريم كانت فاكرة إنها هتترعش أو تنهار، لكنها حست بخفة ماحستش بيها من سنين.
بس العيلة اللي زي دي مابتستسلمش بسهولة.
بحلول يوم الأربع، ياسين اتصل بيها من تلات أرقام مختلفة. والدها ساب لها رسالة صوتية بيقولها إنها "بتقسي قلبها على سوء تفاهم". خالتها بعتت رسالة طويلة عن صلة الرحم. حتى نادين، اللي كشفتهم، بعتت تقول إن الموضوع كبر زيادة وإن مريم "تفكها" وتدفع عشان الدنيا تمشي.
بعدين جت الإهانة الأخيرة.
ياسين نزل "بوست" جديد.
المرة دي ماكنش صور وشرب، كانت خلفية سودا وعليها كلام بالأبيض:
* "غريبة إن فيه ناس بتعمل نفسها كريمة بس لما يكون فيه جمهور يتفرج."
مريم فضلت باصة للبوست كتير. كان بيعيد كتابة الحكاية عشان يظلمها قبل ما هي تحكي الحقيقة.
لأول مرة من يوم الأحد، فتحت اللابتوب، وعملت فايل سمته "الحساب"، وبدأت تجمع فيه كل حاجة.
لو عيلتها عايزين "شرير" في القصة، هيعرفوا دلوقتى إيه اللي بيحصل لما الشخص الهادي يبطل يحميهم.
مريم ما اتصرفتش بتهور، وده اللي خلاها خطر.
خلال أسبوعين، كانت جمعت "ملف" كامل. سكرين شوت للرسائل. تحويلات "فودافون كاش" قديمة كان مكتوب عليها "سلف وهيرجع" وما رجعش. إيميلات من ياسين بيطلب فيها فلوس وضغط من أهلها عشان "تراعي ظروفه". مواعيد العزايم اللي عملتها، والمشاوير اللي
نقطة التحول جت من مكان غير متوقع: نادين.
نادين كلمتها في ليلة وهي باين عليها الكسوف: "أنا ماكنتش عارفة إن الموضوع واصل لكدة.. لما شوفت رسالتك، رجعت سمعت الفيديو الأصلي عندي."
مريم سكتت.
* "الفيديو فيه كلام زيادة أنا مانزلتوش،" نادين كملت، "خالتو كريمة بتقول: (ماتقولوش لمريم غير لما يمضي ورق القرض.. هي بتنشف دماغها لما الموضوع يوصل للفلوس)."
مريم غمضت عينيها. مش عشان اتصدمت، لكن عشان اتأكدت إن الموضوع كان "خطة" مش "سوء تفاهم".
مريم خدت قرارات حاسمة. كلمت المحامي بتاعها وقسمت الوديعة بحيث ماحدش يقدر يلمسها تحت أي ظرف. غيرت بيانات "الطوارئ" في شغلها وفي التأمين الطبي، وشالت اسم والدها ووالدتها. عملت كل ده بهدوء، لأنها فهمت إن "الاعتماد عليها" كان السلاح اللي بيذلوها بيه.
الانهيار جه أسرع مما توقعت.
ياسين خسر الشقة فعلاً. البنك لقى تلاعب في مفردات المرتب، والضمانات مكنتش كفاية، وصاحب الشقة رفض يستنى أكتر. لهجة العيلة اتغيرت من غضب لترجي. والدها كلمها وصوته كان باين عليه الكبر والتعب:
* "أمك تعبانة أوي يا مريم.. وياسين منهار."
مريم كانت واقفة بتبص من شباك مكتبها على النيل: "دي حاجة صعبة فعلاً."
* "مريم.. أبوس إيدك بلاش الطريقة دي."
* "طريقة إيه؟"
* "البرود ده."
سكتت شوية وقالت: "يا بابا، أنتم اتعشيتوا من غيري في شقة كنتوا مستنيين إني أنا اللي أدفع تمنها."
* "غلطنا."
* "لأ.. خططتوا."
بعد أسبوع، والدتها جت تاني، بس المرة دي ماكنتش "شيك". الروج ممسوح، وصوتها بيترعش. مريم سألت نفسها للحظة: هل هي دي اللحظة اللي هتقول فيها "أنا أسفة"؟
لكن كريمة قالت: "خلاص يا مريم، وصلتي للي إنتي عايزاه."
مريم بصت لها بشرود: "اللي أنا عايزاه؟"
* "أيوه.. وجعتينا وأدبتينا. ياسين في حالة ضياع، وأبوكي ضغطه عالي. كفاية عقاب بقى."
تاني.. نفس العقلية اللي بتحول وجع مريم لـ "إزعاج" للآخرين.
مريم طلعت ظرف كبير وادته لوالدتها: "ده كل اللي كان المفروض أقوله من سنين."
الظرف كان فيه رسالة مكتوبة، وصور من الرسايل، وجدول حسابات بكل مليم دفعته للعيلة في ١١ سنة؛ سلف، وتجهيز مناسبات، ومصاريف امتصتها من غير كلام. وفي آخر الورقة جملة واحدة:
* "من اللحظة دي، أنا مابقتش متاحة لأي دعم مادي، أو حل أزمات، أو توصيلات، أو شيل مسؤولية حد. يا ريت تحترموا قراري."
كريمة قرأت أول صفحة وبصت لها بذهول: "إنتي عاملة جدول حسابات؟"
مريم ابتسمت بمرارة: "الحق مبيزعلش."
* "ده جنان!"
* "لأ.. ده حق اتأخر كتير."
والدتها رمت الظرف على الترابيزة: "هتقطعي صلتك بأهلك عشان عزومة؟"
مريم بصت في عينيها: "أنا ببعد عنكم لأن "العزومة" أثبتت اللي الـ
كريمة وشها قفل وقالت بلهجة أخيرة: "لو عملتي كدة، ماتستنيش إننا نرجع نتحايل عليكي تاني."
مريم فتحت الباب بهدوء: "دي أول كلمة تريحني منك من شهور."
بعد ما كريمة مشيت، ماحصلش صلح درامي. ياسين ما اعتذرش، والجروب مابقاش فيه رسايل حب. اللي حصل كان "مسافة".. هدوء.. وسلام غريب.
مريم بدأت تقضي أيام إجازتها بشكل مختلف. بقت تخرج مع أصحابها، دخلت ورشة تعليم فخار، وبدأت تخرج في مواعيد مع مهندس محترم اسمه "أحمد"، شخص بياخد باله من التفاصيل الصغيرة وبيسأل عنها من غير ما يطلب منها "تقوم بالليلة".
في أول مناسبة عائلية بعدها، مريم ماسافرتش تقعد معاهم. سافرت مع أحمد وصحابها لأسوان، قعدت على النيل، شربت شاي كرك تحت ضوء القمر، وكانت مرتاحة.
بعد شهور، نادين بعتت لها صورة من "عزومة عيلة" مريم ما راحتهاش. ياسين كان قاعد، باين عليه إنه كبر فجأة وهمّ الدنيا فوق كتافه. أهلها شكلهم كبر وعجز. نادين كتبت لها:
* "لسه بيتكلموا عليكي كأنك هترجعي في أي لحظة."
مريم بصت للصورة، وبعدين بصت لشقتها.. شقة أصغر بكتير من اللي كانت هتبقى لياسين، بس شقة مدفوع تمنها بكرامة، ومليانة حاجات هي اللي اختارتها، وهادية بالقدر اللي يريح بالها.
ردت على نادين بجملة واحدة:
* "أنا رجعت فعلاً.. بس رجعت لنفسي، مش ليهم."
وهي دي الحقيقة.. البعد عنهم ما اداهاش سلطة عليهم،
بقلم الكاتبة انجي الخطيب