وليمـة الخـذلان كـاملة بقلـم انجي الخطيب
كانت مريم واقفة في مطبخ شقتها في المعادي، بتبص على أصناف الأكل اللي قضت يومين كاملين بتحضر فيها. طواجن اللحمة بالبصل في الفرن، وصواني الرقاق متغطية، وتورتة الشوكولاتة اللي تعبت فيها بتبرد على الرخامة جنب طقم الكريستال اللي والدتها دايمًا كانت تقول "مبيطلعش غير في المناسبات الكبيرة". مريم جهزت السفرة لتمانية، لمعت الفضة، رصت المناديل بشياكة، وحتى جابت العصير والفاكهة الغالية اللي والدها بيحبها رغم إنها عارفة إنه مش هيعرض حتى يشارك في تمنها.
الساعة بقت ٧:١٢، والأكل جاهز. الساعة ٧:٢٥ وماحدش وصل. وبحلول الساعة ٧:٤٠، كانت كل مكالماتها بتتحول "كنسل" أو جرس من غير رد.
فجأة موبايلها نور.
ماكنتش رسالة اعتذار، كانت "ستوري" على إنستجرام من بنت خالتها نادين.
مريم فتحتها وهي مبتسمة في الأول، فاكرة إنهم هيقولوا "الزحمة حبستنا" أو بيهزروا زي عوايدهم. لكن مع أول صورة، الابتسامة اتجمدت على وشها. والدها ووالدتها واقفين في شقة مودرن واسعة، شايلين كاسات العصير وبيضحكوا من قلبهم جنب أخوها الصغير "ياسين". الصورة التانية كانت لبوفيه "سوشي" فاخر مرصوص على ترابيزة رخام. والصورة التالتة خالتها وهي حاضنة ياسين تحت بانر مكتوب عليه "مبروك الشقة الجديدة يا بطل!".
إيد مريم سقعت واترعشت. في الفيديو الرابع، حد ضحك وقال بصوت عالي: "كويس إننا عملناها مفاجأة.. مريم كانت هتقلبها دراما كالعادة وتعملنا حفلة من بتوعها اللي مابتخلصش".
الدنيا لفت بمريم.
عادت الفيديو تلات مرات عشان تتأكد إنها سمعت صح. ضحكة أمها كانت واضحة زي الشمس، وصوت ياسين وهو بيقول: "هتتصالح.. هي مابتعرفش تزعل أصلًا".
خمستاشر سنة من عزايم، وتوصيلات للمطار، وشيل عيالهم في الطوارئ،
مريم بصت حواليها في أوضة السفرة اللي كانت مجهزاها كأنها مسرح لناس مش بس اتخلوا عنها، لا دول كمان بيتريقوا عليها.
الساعة ٨:٠٣، أخيراً أمها بعتت رسالة:
"يا حبيبتي، حصل ظرف مع ياسين فجأة.. نعوضها مرة تانية؟"
مريم فضلت باصة للرسالة لحد ما الشاشة طفت.
بمنتهى الهدوء، صورت السفرة اللي ماتلمستش، وصورت الأكل وهو لسه بيطلع دخان، وخدت "سكرين شوت" من ستوري نادين. بعتت الصور التلاتة على جروب العيلة وكتبت جملة واحدة:
"يا رب تكون الشقة واللمة عجبتكم.. ماحدش يتصل بيا المرة الجاية لما 'يحصل ظرف' مع حد فيكم."
قفلت موبايلها، طفت الفرن، ولأول مرة في حياتها، سابتهم يواجهوا الدنيا من غيرها.
...
على الصبح، مريم لقت ٢٣ مكالمة لم تُرَد عليها، وتسع رسائل صوتية، وجروب العيلة على "واتساب" اتحول لساحة خناق رقمية.
والدتها "كريمة" بدأت في الأول بإنكار تام:
* "يا مريم والله الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة خالص."
بعدها خالتها "ليلى" دخلت تحاول تلم الموضوع:
* "يا حبيبتي دي كانت عزومة صغيرة وسريعة، وماحدش كان قصده يكسر بخاطرك."
أما "ياسين"، وبكل بجاحة كالعادة، دخل يهاجم:
* "إنتي دراما أوي بجد.. بابا كان عايز يشوف الشقة وكلنا كنا موجودين أصلًا في التجمع، بطلي بقى تخلي كل حاجة بتدور حوليكي."
مريم كانت بتقرأ كل كلمة وهي بتشرب قهوتها على نفس الرخامة اللي عيطت عندها الليلة اللي فاتت. حست بهدوء غريب سكن
على الضهر، والدها اتصل تاني. سابت الموبايل يرن. وبعد خمس دقايق جت رسالة:
* "كلميني لما تفضي.. فيه موضوع مهم."
لسنين طويلة، الجملة دي كانت بتشتغل معاها زي "الأمر العسكري". كان معناها دايمًا إن "ياسين" حسابه في البنك خلص، أو إن والديها محتاجين حد يوصلهم مشوار بعيد في الفجر، أو فيه "سوء تفاهم مالي" لازم مريم هي اللي تحله قبل العشا. المرة دي، قلبت الموبايل على ظهره وكملت يومها.
عبّت الأكل اللي ماحدش لمسه في علب، وودته لدار رعاية قريبة من بيتها. الموظفة هناك شكرتها بحرارة وقالت لها: "أكيد أهلك محظوظين بيكي." مريم كانت هتضحك من كتر السخرية.
وبحلول ليلة الاتنين، عرفت السبب الحقيقي اللي مخلي الكل بيمسح لها جوخ.
والدتها خبطت على بابها.
"كريمة" كانت دائمًا بتهتم بمظهرها حتى في الأزمات؛ لابسة الطقم الشيك، وحلق اللؤلؤ، وماسكة شنطتها بصباعين بيهم رعشة عصبية. دخلت من غير استئذان، ووقفت لما لقت مريم مابتحاولش حتى تضمها زي كل مرة.
* "أنا عارفة إنك زعلانة،" كريمة بدأت كلامها وهي بتبص في الشقة كأنها بتدور على مريم القديمة، اللي كانت بتعمل شاي وتصالح بسرعة. "بس الموضوع زاد عن حده."
مريم ربعت إيدها: "الموضوع بقاله ٢٤ ساعة بس."
* "إنتي فضحتيني قدام العيلة!"
مريم ابتسمت بذهول: "أنا اللي فضحتك؟"
كريمة نفخت بضيق: "نادين ماكنش المفروض تنزل الصور دي، وكلنا متفقين على كدة. بس ياسين كان فرحان، وأبوكي كان فخور بيه.. والموضوع جه كدة."
مريم قالت بصوت واطي: "لأ.. الموضوع ماجاش كدة، هو بس "انكشف" كدة."
والدتها وشها اتشد: "إنتي ليه دايمًا بتتكلمي كأنك بتقدمي مرافعة في محكمة؟"
* "لأني فعلًا
لثانية واحدة، كريمة اتلخبطت، وبعدين قعدت على السفرة وقالت بصراحة: "ماشي.. بما إنك عايزة صراحة، خدي الصراحة. ياسين هيستلم الشقة الأسبوع ده، بس فيه مشكلة تأمينات وأوراق مع البنك.. وأبوكي ضمنه بمبالغ أكتر من طاقته. إحنا محتاجين نوصل للوديعة اللي جدك سابهالك."
الكلمات نزلت على مريم زي المشرط.
جدها كان ساب لها ورث بسيط لكنه كان سندها بعد ما دفع لها مصاريف جامعتها في الوقت اللي ماحدش رضي يساعدها فيه. مريم حافظت على القرش ده زي عينيها.
بصت لوالدتها وقالت: "عشان كدة إنتي هنا."
* "ماتقوليهاش بالطريقة دي."
* "أمال أقولها إزاي؟ أقول إنكم لغيتوا عشا أنا تعبت فيه يومين، واتريقتوا عليا في شقة تانية، وكذبتوا في وشي، ودلوقتي جايين تطلبوا فلوسي؟"
وش كريمة نشف: "إحنا مش طالبينها لنفسنا.. إحنا بنلحق أخوكي."
* "في العيلة دي.. الاتنين واحد."
كريمة وقفت بحدة: "ياسين غلط غلطة واحدة!"
مريم ضحكت ضحكة وجع: "غلطة واحدة؟ ده عنده ٣١ سنة يا ماما! ركب عربية "مرسيدس" قسطها فوق طاقته، وساب شغلين عشان المدير "بيعامله وحش"، وقنعكم إن شراء شقة فاخرة ده إنجاز وهو أصلًا كارثة مادية!"
كريمة وشها احمر: "إنتي طول عمرك غيورة منه."
مريم بصت لها بذهول: "أغير؟ أغير من "فرفور" العيلة؟"
السكوت اللي ساد بعد الجملة دي كان تقيل ومؤلم. كريمة لمت شنطتها وقالت: "لو ماساعدتيش، ياسين ممكن يخسر الشقة."
مريم راحت فتحت باب الشقة: "يبقى يخسرها."
* "مريم!"
* "إنتي قلتي إني فضحتكم.. خليني أكمل الفضيحة بقى. الإجابة لأ."
ملامح والدتها اتغيرت تمامًا.. قناع "الرقي" وقع وظهر تحته غضب بشع، مش زعل ولا ندم، لكن غضب إن "البنت المضمونة" بطلت تكون مضمونة.
* "إنتي أنانية بشكل مش طبيعي،" كريمة قالتها وهي خارجة.