صفقـة النجـاة كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

على الجانب الآخر، في الطابق الملكي، كانت السيدة "تشانغ" قد استيقظت بنشاط لم تعهده منذ شهور. شاي الجنزبيل الذي وصفته لها صوفيا بالأمس هدأ من روع معدتها. طلبت المساعد الخاص بها، "مستر وانج"، وقالت له بلهجة حاسمة:
— "ابحث لي عن الفتاة التي كانت في الاستقبال بالأمس. ليست المديرة الشقراء المتوترة، بل الفتاة ذات العيون الصابرة التي تحدثت لغتنا وكأنها ولدت في بكين."
خرج المساعد ليبحث، ليصطدم بـ "إلهام" التي كانت ترتدي أغلى بدلاتها، وتنتظر عند باب المصعد بابتسامة مرسومة بالمسطرة.
— "أهلاً مستر وانج! السيدة تشانغ محتاجة حاجة؟ الفطار الجاهز؟"
أجاب المساعد ببرود: "السيدة تشانغ تريد رؤية الموظفة التي استقبلتها بالأمس.. المترجمة."
ارتبكت إلهام، واصفر وجهها: "المترجمة؟ آه.. تقصد البنت اللي كانت بتنضف؟ للأسف دي.. دي كانت "عمالة مؤقتة" ومشيت. لكن أنا وفرت لكم طقم مترجمين من أكبر مكتب في الزمالك، وهيكونوا هنا خلال ساعة."
معركة البدروم
في الأسفل، كانت صوفيا تصارع أكوام الشراشف الثقيلة. وفجأة، نزلت إلهام كالإعصار إلى المغسلة. نظرت إلى صوفيا باحتقار وقالت:
— "اسمعي يا بت أنتي.. الست اللي فوق سألت
عليكي. لو لمحت طيفك فوق، أو حاولتي توصلي لها، هرميكي ورا الشمس بتهمة سرقة. أنتي هنا "نكرة"، وهتفضلي نكرة. فاهمة؟"
لم ترد صوفيا، اكتفت برفع رأسها بكرامة أربكت إلهام، ثم عادت لعملها. لكن "القدر" كان له رأي آخر.
في تمام الساعة الثانية ظهراً، وقعت الكارثة. الوفد الصيني الذي يضم كبار المستثمرين وصل فجأة، وكان معهم خرائط هندسية وعقود معقدة جداً تتعلق ببناء "المدينة المستدامة". المترجمون الذين أحضرتهم إلهام كانوا يجيدون "الصينية التجارية" السطحية، لكنهم وقفوا عاجزين أمام المصطلحات التقنية القديمة والأمثال الشعبية التي كانت السيدة تشانغ تستخدمها لتعبر عن شروطها.
تأزم الموقف. السيدة تشانغ بدأت تغلق ملفاتها بغضب، وقالت لمساعدها: "هؤلاء لا يفهمون روح مشروعي.. يبدو أن هذا الفندق وهذا البلد لا يقدرون التفاصيل. أُلغي الاجتماع!"
لحظة الحقيقة
إلهام كانت على وشك الانهيار العصبي؛ ضياع هذه الصفقة يعني طردها من منصبها. في لحظة يأس، وبدون تفكير، جرت نحو المصعد ونزلت للمغسلة. وجدت صوفيا غارقة في عرقها، ترفع أحمالاً ثقيلة.
— "صوفيا! ارمي اللي في إيدك ده وتعالي ورايا فوراً!" صرخت إلهام بنبرة توسل مستترة
بغطاء من الأمر.
نظرت إليها صوفيا ببرود: "أنا هنا "نكرة" يا مديرة.. ومكاني المخزن والبدروم."
— "مش وقت كبرياء دلوقتي! الفندق هيخرب.. الشركة هتضيع! اطلعي أنقذي الموقف وليكي اللي أنتي عايزاه!"
خلعت صوفيا مريلتها الملطخة بالصابون. غسلت وجهها بماء بارد، ونظرت في المرآة المكسورة في الحمام الصغير. مسحت التعب عن وجهها، واستحضرت شخصية "الدكتورة" التي بداخلها.
— "هطلع.. بس بشرط واحد. قدام الكل، تعتذري لعامل النظافة اللي هزقتيه الصبح، وتعرفي السيدة تشانغ أنا مين بالظبط."
المواجهة الكبرى
دخلت صوفيا قاعة الاجتماعات بملابس الشغل البسيطة ولكن بوجه يشع ثقة. عندما رأتها السيدة تشانغ، وقفت من مكانها وابتسمت ابتسامة حقيقية لأول مرة.
بدأ النقاش. صوفيا لم تكن تترجم كلمات، كانت تترجم "أفكاراً". استخدمت مصطلحات من تخصصها في اللغات الشرقية أذهلت المستثمرين. شرحت لهم كيف أن العمارة المصرية القديمة تلتقي مع الفلسفة الصينية في احترام الطبيعة.
بعد ساعتين، وقعت السيدة تشانغ العقود وهي تضحك. التفتت إلى إلهام وقالت بالإنجليزية:
— "أنتي محظوظة جداً لأن لديكِ "جوهرة" مثل هذه. لولاها، لكنت غادرت هذا المكان الآن.
"
نظرت السيدة تشانغ لصوفيا وسألتها بلطف: "لماذا تعملين في التنظيف وأنتي تملكين هذا العقل؟"
صمتت صوفيا للحظة، ثم قالت بابتسامة هادئة: "لأن الشغل مش عيب يا فندم، والعيب الحقيقي هو اللي بيشوف الناس بعين صغيرة. أنا بشتغل عشان أصرف على أغلى حاجة عندي.. أمي."
النهاية: الفجر الجديد
لم تنتهِ القصة عند هذا الحد. السيدة تشانغ عرضت على صوفيا منصب "المستشار الثقافي" لشركتها في مصر براتب لم تكن تحلم به.
في المساء، عادت صوفيا إلى بيتها في "حي السيدة زينب". لم تكن تحمل هذه المرة رائحة الكلور، بل كانت تحمل باقة ورد كبيرة وعلبة دواء مستوردة لم تكن تجدها بسهولة.
دخلت على أمها آمال، التي كانت تجلس كعادتها.
— "تأخرتي ليه يا بنتي؟"
انحنت صوفيا وقبلت يد أمها وقالت والدموع في عينيها:
— "خلاص يا أمي.. "الدكتورة" رجعت. وبكرة الصبح، هنروح لأكبر دكتور عشان نطمن عليكي، ومش هسيبك تانية واحدة بعد كدة."
في تلك الليلة، نامت صوفيا وهي تعلم أن الحق لا يضيع، وأن "ست الدار" الحقيقية ليست من تملك السلطة والمال، بل من تملك العلم والأصل والرضا. أما إلهام، فقد تعلمت درساً قاسياً: أن الذي تظنه "لاشيء"، قد يكون هو الوحيد
الذي يملك مفتاح نجاتك.

تم نسخ الرابط