تضحـية الأم كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
شاف أبوه، عم منصور، راكع على ركبه جنب سرير أمه. كان ماسك قطنة وفي إيده التانية شاش، بيرفع طرف جلابية الحاجة رضا براحة.. وهناك، في جنبها الشمال، تحت ضوء وناسة ضعيفة، شاف "الخريطة".. جرح طويل، غائر، لسه لونه وردي، واخد من ضلوعها لحد وسطها.
ياسين اتسمر مكانه.. الجرح ده هو عارفه كويس، لأنه عنده زيه بالظبط بس في الناحية التانية. نفس الشكل، ونفس الطول.. "ختم" المشرط لما بيفتح الجسم عشان يخرج كُلية أو يدخلها.
الحاجة رضا اتألمت وهي بتقول بصوت واطى:
"براحة يا منصور.. الجرح بيشد عليا."
عم منصور وطى ونفخ في الجرح زي ما بننفخ في جرح طفل صغير عشان يهدأ.
ياسين ساب الستارة ورجع سريره القديم وقلبه بيدق في زوره.. "لا، مش ممكن!"..
تاني يوم الصبح، وأهله لسه نايمين، راح لدرج التربيزة اللي عليه الأدوية، فتش فيه لحد ما لقى ورقة صفراء مطوية.. كانت "تقرير خروج" من مستشفى المنصورة العام.
الاسم: رضا هانم محمود.. العملية: استئصال كُلية يسرى.. التاريخ: نفس الأسبوع اللي عمل فيه عمليته في القاهرة.
الحسبة كملت في دماغه.. كُلية طلعت من المنصورة، راحت لمستشفى في القاهرة لـ
ياسين خرج من البيت وهو مش شايف قدامه، مشي في وسط الغيطان والدموع مغرقة وشه.. لحد ما وصل لبيت "الست بدار"، داية القرية وعجوزتها. أول ما شافته قالت بصوت مبحوح:
"أهلاً يا سي ياسين.. كبرت يا واد ونضفت ونسيت أصلك.. اقعد اشرب شاي."
ياسين سألها وهو صوته بيترعش:
"يا خالة بدار.. أمي جرى لها إيه؟"
الست بدار بصت له بأسف وقالت:
"يعني أنت مش عارف؟ أمك دي يا بني أجدع ست شافتها عيني.. تبرعت بكُليتها وهي في السن ده عشانك.. أنا قلت لها يا رضا بلاش، السن له أحكام، ومنصور كان هينجن ويمنعها.. بس هي قالت: ده ابني، أنا اديته الحياة مرة، وهديها له التانية.. ومش مهم أموت أنا بس هو يعيش."
الدنيا اسودت في عين ياسين. كل السنين اللي قضاها في القاهرة بيبني في مستقبله، كانت أمه بتبني له فيها "حياة" من لحمها ودمها. رجع البيت، لقى أبوه قاعد ورا البيت بيشرب شاي وواجم.
ياسين قعد جنبه على الأرض وقال بصوت مكسور:
"يا أبويا.. أنا عرفت كل حاجة."
عم منصور غمض عينيه وقال بقهر:
"الولية دي مابتعرفش تخبي سر..
ياسين صرخ بوجع:
"أنا مكسور فعلاً يا أبويا.. مكسور ببعدي عنكم 12 سنة.. مكسور بإنها استنتني عند تليفون القرية سنين وأنا مكنتش برد."
عم منصور وقف وهزه من كتافه:
"كنت فين يا ياسين؟ أمك كانت بتروح تقف قدام التليفون بالساعة في عز الشمس، والناس تقول لها: "يا حاجة رضا مفيش حد هيتصل"، وهي تقول: "لا، ابني قلبه حاسس بيا".. لحد ما في يوم تعبت ورجعت وهي فاقدة الأمل في صوتك.. ويوم ما احتاجتنا، إحنا اللي جرينا، مش أنت."
ياسين رمى نفسه تحت رجل أبوه وبكى بكاء مر.. لأول مرة يشوف أبوه بيبكي هو كمان، الراجل الصعيدي الناشف اللي مبيتهزش، كان بيترعش وهو بيقول: "كنت هفقدها يا ياسين.. كنت هفقدها بسببك."
دخل ياسين لأمه الأوضة، كانت قاعدة على الكرسي المتحرك وبتبتسم له الابتسامة اللي بتمحي أي ذنب. ركع قدامها ومسك إيديها اللي شققت من التعب:
"ليه يا أمي؟ ليه عملتي كدة؟"
ردت عليه وهي بتمسح شعره:
"يا حبيب أمك.. الكُلية دي كانت بتاعتك من زمان، أنا كنت بس شايلاها لك أمانة لحد ما تحتاجها.. متبكيش، دموعك
في اللحظة دي، تليفون ياسين رن.. كانت "سارة" خطيبته في القاهرة بتسأل:
"ياسين، هتخلص إيه وترجع؟ عندنا اجتماع مهم بكرة بخصوص الفيلا الجديدة."
ياسين بص لأمه، وبص للجدران المشققة، وقال بلهجة قاطعة:
"أنا مش راجع يا سارة.. أنا كنت غايب 12 سنة، والنهاردة بس وصلت.. الفيلا والاجتماعات ملهومش لازمة لو ملهمش "أصل" يسندهم. أنا هقعد هنا، هرمم البيت ده، وهبني لأمي وأبويا القصر اللي يستحقوه تحت رجليهم."
ياسين قام، شمر كمامه، وطلع على سطح البيت. مسك المطرقة وبدأ يغير الطوب المكسور، ويصلح السقف اللي كان بيسرب مية.. أبوه وقف تحت، باصص له، ولأول مرة يبتسم ويناوله "المونة" عشان يكمل.
الخلاصة:
ياسين اكتشف إن النجاح مش في الفلوس ولا في المناصب.. النجاح الحقيقي إنك "تلحق" أهلك قبل ما يبقوا مجرد ذكرى.. وإن الأم هي الكائن الوحيد اللي ممكن يقطع حتة من جسمه عشان يكمل لك جسمك، من غير ما تطلب منها "شكراً".
لو الحكاية دي وجعت قلبك أو فكرتك بحد غالي، اعمل "مشاركة" وقول لكل غايب: "ارجع.. الأيام مابتستناش حد".
هل تفتكروا ياسين يقدر يعوض أمه عن اللي
بقلم انجي الخطيب