تضحـية الأم كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

رجع البيت بعد ما عمل عملية زراعة الكلى.. وبمجرد ما خطى عتبة الدار، شاف أمه قاعدة على كرسي متحرك..
ياسين بقاله تلات شهور عايش بكُلية مش بتاعته. عمل العملية في مستشفى كبير في القاهرة، وقالوا له وقتها إن المتبرع "فاعل خير" مجهول الهوية. هو مسألش، ولا دور ورا حد. مضى ورق الخروج، ورجع لحياته وكأن شيئاً لم يكن.. لحد ما في يوم، مسك مفتاح عربيته وساق لساعات طويلة ناحية الصعيد، ناحية البيت القديم المبني من الطوب اللبن، الدار اللي كبر فيها واللي مهجرهاش من 12 سنة.
اللي شافه لما وصل كان أصعب عليه من أي جراحة عملها في حياته.. أمه كانت قاعدة على كرسي متحرك، ومحلول معلق في دراعها. والسبب اللي خلاها في الحالة دي، مكنش فيه حد في الدنيا عايز يفسره له.
دي حكاية تضحية، مفيش ابن يتمنى يكتشفها بعد فوات الأوان.
كل حاجة بدأت لما ياسين خد الطريق الزراعي لأول مرة من سنين. العربية كانت بتجري وبتعفر تراب وراها، وكأن الأرض نفسها مش عايزة تدخله. كان فاتح الشباك، لابس قميص غالي وساعة تمنها أكتر من اللي أبوه بيجمعه في سنة كاملة.
على إيده اليمين لسه فيه أثر لزقة المحاليل، وتحت القميص، جرح طوله 20 سم بيشد

على جلده مع كل حركة.. بيفكره إنه من تلات شهور كان بين الحياة والموت في أوضة العمليات، عشان يحطوا في جسمه كُلية مش بتاعته.. كُلية من "متبرع مجهول".
ياسين كان هيموت. قضى أسابيع عينه في سقف المستشفى بيفكر في كل اللي ضيعه. وفي اللحظات دي، مفكرش في شركته في القاهرة، ولا في شقته ولا في عربيته الفارهة.. أول حاجة جت على باله كانت ريحة العيش المحمص على وابور أمه الساعة 6 الصبح، وصوت أبوه وهو بيقوله: "يا ياسين، قوم يا ضنايا الفطار هيبرد".
الوجع ده كان أقوى من وجع المشرط، لأنه مكلمش أهله من شهور.. ولما الموت بيخبط على بابك، مابتنفعش معاك حجة "بكرة أزورهم".. لأن بكرة ده كان ممكن مايجيش.
من بعيد، بدأت تظهر ملامح القرية.. بيوت قديمة، خزان مية صدى، ومأذنة جامع بتهتز مع الهوا. ياسين قبض إيده على الدريكسيون.. مكنش عارف هيلاقي إيه، بس قلبه كان بيقوله إنه مش مستعد للي جاي.
ركن العربية قدام البيت، وفضل قاعد مكانه والموتور مطفي. البيت بقى أصغر بكتير مما فاكر. الحيطان مشققة، والباب الخشب "مقفع" من شمس الصيف ومبيتقفلش كويس. وهناك، قدام الباب ده.. شافهم.
الست "رضا".. عرفها في ثانية، بس ملامحها كانت
متغيرة. أمه كانت قاعدة على كرسي متحرك حديد، من النوع القديم اللي عجلاته ملوية. لابسة جلباب بسيط، وطرحة ملونة، وجنبها ماسورة حديد متعلق فيها كيس محلول واصل لدراعها.
أبوه، عم "منصور"، كان مخرجها قدام البيت لأن حرارة الجو جوه كانت خانقاها. كانت باينة عجوزة، ضعيفة، ومنكسرة.. وكانت بتبكي من قبل ما ياسين ينزل من العربية.
ورا الكرسي كان واقف عم منصور.. خاسس جداً، ولابس طاقيته القديمة، وقميصه المترقع عند الكتف. كان ماسك في ضهر الكرسي وكأنه هو اللي سانده مش العكس.. مكنش باصص لياسين، كان باصص في الأرض.
ياسين نزل من العربية، وكل خطوة كان بيخطاها ناحيتهم كانت بتزود الغصة اللي في حلقه.
"يما.."
الحاجة رضا رفعت إيدها ليه وهي بتترعش، عينيها كانت وارمة من العياط، بس كانت مبتسمة.. الابتسامة اللي بتقول: "مش مهم غبت قد إيه، أنا لسه هنا".
وطى ياسين  بخوف، كأنه خايف تتكسر في إيده. وفي اللحظة دي، الحاجة رضا اتألمت وطلعت منها "آه" مكتومة، وحطت إيدها على بطنها.
"يما، فيكي إيه؟ إيه اللي حصلك؟"
"مفيش يا حبيب أمك، دي وقعة بسيطة، وجع رجلين وعجز.. ماتشغلش بالك."
ياسين بص لأبوه بلهفة:
"يا أبويا، إيه
اللي جرى لأمي؟"
عم منصور مارفعش عينه، سكت تلات ثواني كأنهم دهر، وبعدين قال بصوت ناشف زي الحجر:
"ادخل يا ياسين.. الشمس كلت دماغنا بره."
لا حضن، ولا "حمد لله على السلامة".. مجرد جملة مقطوعة زي ضربة السكين، وسكوت بيوجع أكتر من الصريخ.
جوه البيت كانت الريحة خليط بين البخور وشوربة الفراخ، بس معاهم ريحة سبيرتو ومطهرات. على الطبلية القديمة كان فيه شاش، وشرايط برشام، وورقة مطوية شكلها "روشتة".
ياسين وقف يتأمل كل ده.. "الوقعة" مابتخليش الواحد يحتاج محاليل في الوريد.. والوقعة مابتخليش الست تقعد على كرسي متحرك فجأة.
وقبل ما ينطق بأي سؤال، كانت الحاجة رضا بتقول بتعب:
"اقعد يا ضنايا، هقوم أحضرلك لقمة تدفي قلبك.."
قالتها وهي لسه في مكانها، مربوطة بالكرسي وبالمحلول، في قلب بيت قديم في وسط الصعيد.. وكأنها بتحاول تخبي سر، لو عرفه ياسين، الجرح اللي في جنبه هيفتح من جديد.. بس المرة دي من القهر مش من العملية.

ياسين قضى أول ليلة ليه في بيت أبوه وهو مش عارف يغمض عينيه. الساعة كانت 2 بعد نص الليل، لما سمع أنين مكتوم جاي من أوضة أهله. قام حافي الرجلين، ومشي براحة لحد الستارة اللي بتفصل الأوضتين.

. وروربها سنتيمتر واحد بس.

تم نسخ الرابط