خيط الشك كامله بقلم انجي الخطيب
انجي الخطيب
الجزء الثاني: المواجهة.. والعودة لبيت الطين
لكن مع بداية الأسبوع التاني، شريف لاحظ حاجة.. كانت صدفة بحتة. كان في المطبخ بيدور على كوباية مية لما شاف "ستهم" واقفة قدام البوتاجاز بتلف حاجة في ورق فويل بتركيز غريب.
مكنش أكلها هي، دي كانت "البواقي" اللي فضلت من الغدا.. نص مناب فراخ، شوية رز، تلات أربع أرغفة عيش بلدي فضلوا من الظهر. ستهم حطتهم في كيس بلاستيك بحرص شديد، كأنها بتغلف "مجوهرات".
بعدها شالت الكيس في شنطتها، قلعت المريلة، وخرجت تجري. شريف مسكتش، فضل يفكر.. وتكرر المشهد يوم ورا يوم، دايما في آخر اليوم، ودايما معاها نفس الكيس، ونفس اللهفة بتاعة حد في حد مستنيه.
نيفين كانت أول واحدة نطقت: "الست دي بتسرق أكلنا يا شريف.. عيني عينك كدة! ارفدها فوراً".
شريف فكر لحظة.. أي حد مكانه كان عمل كدة، بس شريف كان راجل "بيحب يسيطر"، وعاوز يفهم كل فتفوتة بتروح فين.. مش شفقة منه، بس فضول وتحكم.
قال لنيفين:
ومن يومها، بدأ شريف يراقبها زي "الصقر".. لاحظ إنها بتمشي الساعة 4:15 بالثانية، ومعاها الكيس، وبتمشي بخطوة سريعة جداً. وفي يوم، قرر يمشي وراها.
ركب عربيتة وفضل ماشي ورا الميكروباص اللي ركبته من بعيد.. دخلوا في شوارع "الشيخ زايد" الضيقة، وبعدين "كرداسة"، لحد ما الميكروباص وصل لمكان الطريق فيه خلص، وبدأ طريق تراب وسط الغيطان.
نزل شريف من العربية ومشي وراها على رجله.. الشمس كانت بتحرق نافوخه، فك رباط الكرافتة وفضل ماشي لحد ما ظهرت بيوت قديمة "عشش" من الطين والخشب.. مفيش مية، مفيش نور، مفيش حياة.
ستهم وقفت قدام آخر بيت.. بيت مهدد بالوقع، وساعتها شريف سمع صوت "عجوز" طالع من جوه، وصوت تاني لست "واهن" كأنه جاي من عالم تاني.
قلب شريف بدأ يدق بعنف.. قرب وبص من ورا سور مهدم.. شاف "صناديق رنجه" خشب، وقاعد عليهم راجل عجوز ظهره محني، إيديه خشنة، وعينه فيها نظرة
ستهم قربت منهم وصوتها اتغير تماماً.. بقى ناعم وحنين: "جيت يا عم منصور.. عاملة إيه يا ست كريمة؟"
فتحت الكيس وطلعت الأكل.. بدأت تأكل العجوز بلقمة صغيرة، وتمسح وش الست بقطنة مبلولة.. صبر "أيوب" كان في إيديها وهي بتخدمهم.
شريف كان هيموت من الرعب.. إيدين الراجل ده.. التجاعيد دي.. هو شافها فين قبل كدة؟
رجع الفيلا وهو مش قادر يتنفس.. طول الليل مكنش شايف غير وشوشهم. تاني يوم، راح هناك من غير ما حد يشوفه، في وقت ستهم مكنتش فيه.
دخل البيت "الخَرابة" ده، شاف الراجل العجوز نايم على كنبة قديمة، وحاجة وقعت من تحت مخدته.. "صورة".
شريف وطى وجابها.. وكانت الصدمة اللي هدّت كيانه.
الصورة كانت لشاب صغير، 18 سنة، شايل شنطة ومبتسم قدام بيت ريفي.. هي نفس الصورة اللي عند شريف في الفيلا! ده هو!
شريف بص للراجل النايم.. وبص للست اللي بتهته بكلام مش
دول أبوه وأمه.. الحج منصور والحاجة كريمة.. اللي سابهم من 23 سنة في بلدهم في الصعيد، ووعدهم يرجع يبني لهم قصر.. بس الغربة والفلوس والنسيان أكلوه، لحد ما بقوا مجرد "صورة" في برواز.
ودلوقتي، هما هنا.. في الفقر ده.. والشغالة بتاعته هي اللي بتأكلهم من "فضلات" أكله!
شريف سأل ستهم بعد كدة: "تعرفي عنهم إيه؟"
قالت له بكسرة: "لقيتهم في الشارع يا بيه من سنين.. مطرودين من بيتهم بعد ما الفقر نهش فيهم.. والراجل ده (أبوك) لما سألته عن ابنه، قالي: (ابني مات من زمان.. اللي ينسى أهله ميبقاش حي)."
شريف حس إن الساعة اللي في إيده بتخنق معصمه، والبدلة الغالية بقت "كفن".. روايات بقلم انجي الخطيب
أمه مش عارفاه، وأبوه اعتبره ميت.. والشغالة اللي كان بيعاملها كأنها "جماد"، طلعت هي "الإنسان" الوحيد في حياته.
النهاية دي بتفكرنا إن "الأصل" مبيتنسيش، وإن اللي بيبني قصور من غير "رضا الوالدين" كأنه بيبني فوق
بقلم انجي الخطيب