ضيفة على الهامش كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

ملحقتش أعدل "صوفي" على كتفي إلا وكان آدم على حرف النافورة، نزل بجزمته وبنطلونه الغالي في المية من غير تفكير، ومد إيده لبنته:
"صوفي.. يا حبيبتي.. أنا جيت."
البنت أول ما شافته، انصهرت في العياط وصرخت بكلمة واحدة قطعت سكون الفرح زي حد السكين:
"بابا!"
الكلمة رنت في ودن كل واحد في القاعة.
أمي بقها اتفتح من الصدمة. "جميلة" صوابعها اتشنجت وهي ماسكة طرف فستانها. أبويا بلم كأن الكلام هرب منه. أما "ياسين".. الراجل اللي لسه كان بيضحك على "مستويات الناس"، بقى شكله كأن حد حط مسدس على راس مستقبله وضغط على الزناد.
آدم شال "صوفي" الأول، ولفها بجاكيت بدلتُه من غير ما يتردد، وبدأ يطمن على وشها وجسمها كأنه بيدور على أي جرح. داس على سنانه لدرجة إن عروق وشه برزت، باس راسها المبلولة، وبعدين بص لي ومد إيده: "هاتي إيدك."
أول ما طلعت من المية، رجلي اتزحلقت على الرخام المبلول، بس آدم لحقني من وسطي وسندني. فضل ساندني ثانية زيادة، مش عشان المنظرة، لكن لأنه عارف الفرق بين ست واقفة على رجليها، وست "القهر" هو اللي لسه ماسكها.
سأل بصوت زي الرعد: "إيه اللي حصل؟"
محدش رد.
لا أبويا اللي زقني، ولا أمي اللي كانت بتتفرج، ولا "جميلة" اللي صرخت
في وش طفلة، ولا "ياسين" اللي ضحك وحول وجعي لنكتة قدام الغرباء.
آدم بص حواليه بصه واحدة.. كانت كفاية.
شاف الموبايلات المرفوعة، الكريستال المكسور، بقع العصير، وشكلي وأنا مبلولة وبنتي بتترعش. شاف وش أبويا اللي لسه فيه أثر الغضب، وشاف المعازيم اللي كانوا بيضحكوا ودلوقتي بيحاولوا يرسموا ملامح الشفقة.
بص لـ "ياسين".. وحرارة الليلة نزلت لتحت الصفر.
ياسين حاول ينقذ الموقف بابتسامة صفراء: "آدم باشا.. أهلاً بيك. الموضوع مجرد سوء تفاهم بسيط، بنت صغيرة خبطت صينية، والعروسة اتوترت، والظروف كانت مشدودة.. أنت عارف الأفراح بيبقى فيها انفعالات."
آدم م رمش: "كنت بتضحك."
ياسين ابتسامته اتهزت، وصوفي رفعت إيدها الصغيرة وشاورت بصباعها: "جدو هو اللي زق ماما."
الأطفال مبيعرفوش يجاملوا ولا يخبوا قبح الكبار.
أبويا وشه اسودّ وقال بزعيق كأنه بيحاول يفرض سلطته: "خلاص بقى! دي مسائل عائلية وتتحل بينا."
آدم لف له ببطء قاتل: "لأ.. اللحظة اللي مدت فيها إيدك على مراتي وبنتي، مبقتش مسائل عائلية."
"مراتي."
الكلمة وقعت على المعازيم كأنها صاعقة. أمي اللي قعدتني جنب الحمامات كأني "وصمة عار"، اتسمرت مكانها ومبقتش قادرة تنطق.
"جميلة" هي اللي نطقت
الأول بصوت بيترعش من الحقد: "مراتك؟ هي مقالتش إنها متجوزة!"
بصيت لها وأنا المية بتنزل مني على الرخام وقلت بهدوء مرعب: "أنتي مسألتيش."
أيوة.. مسألوش.
سألوا "مين الأب" كأنهم وكلاء نيابة، مش أهل. حكموا على سكوتي إنه "عار" عشان يحسوا هما بالأفضلية. مكنوش يتخيلوا أبداً إني كنت بحمي "حاجة غالية" من إيديهم الملوثة بالادعاء.
ياسين بدأ ينهار: "آدم، أرجوك، بلاش ندخل الأمور الشخصية في الشغل. يوم الاتنين فيه توقيع عقود، وفرق العمل جاهزة. لو فيه سوء تفاهم شخصي.."
آدم قاطعه بكلمة واحدة: "مفيش توقيع يوم الاتنين.. ولا أي يوم تاني."
ياسين وشه ابيضّ: "أنت بتتكلم جد؟ عشان موقف زي ده؟ هتضيع صفقة بـ 100 مليون جنيه عشان 'مشهد' زي ده؟"
آدم  صوفي  أكتر وقال: "لأ.. هنسحب لأني لو شفتك بتعامل أهلي كده قدام الناس، مش عاوز أتخيل بتخبي إيه ورا الأبواب المقفولة."
ياسين، ومن كتر الرعب على مستقبله، عمل حاجة محدش توقعها.
نزل على ركبه.
الراجل اللي كان لسه بيضحك وتوبه نظيف، وقع قدام الكل، وصوت ركبه وهي بتخبط في الرخام كان هو صوت نهاية مستقبله.
بص لي وهو في الأرض وقال: "نورا.. أنا أسف."
بصيت له وقلت له بكلمتين لخصوا كل حاجة:
"أنت مش
أسف على اللي عملته.. أنت أسف إن 'آدم' شافك وأنت بتعمله."
أمي حاولت تقرب مني وتمسك إيدي بتمثيلية العاطفة: "يا بنتي، اسمعيني، إحنا أهل، والشيطان دخل بينا، وأبوكي كان شارب شوية وياسين كان متوتر.. الأهل بيعدوا لبعض عشان المركب تمشي."
رجعت خطوة لورا: "المركب دي غرقت خلاص يا أمي."
بعد سنتين من الليلة دي..
"جميلة" اتطلقت بعد ما اكتشفت إن ثروة "ياسين" كانت كلها ديون ومظاهر كدابة، والفضيحة اللي حصلت في الفرح كانت بداية سقوط شركاته. أبويا فضل عايش في عزلته بعد ما "كبار السوق" بعدوا عنه بسبب الفيديو اللي اتسرب وهو بيزق بنته في النافورة.
وأنا.. النهاردة بفتتح أول فرع لجمعية "صوفي" لرعاية الأطفال، في نفس المنطقة اللي كان فيها الفرح ده. بس المرة دي، المكان مليان كتب وضحك وأمان، مش لؤلؤ وتكبر.
آدم كان واقف بعيد بيصور "صوفي" وهي بتقص الشريط، وبص لي بابتسامة الشخص اللي "شافني" بجد، مش اللي "اتفرج" عليّ.
سألني صحفي: "الفيديو اللي انتشر زمان غير حياتك؟"
قلت له: "أيوة.. بس مش عشان بقى 'تريند'.. عشان عرفني الفرق بين الناس اللي بتشوف ملامحي، والناس اللي بتشوف روحي."
أهلي خسروا البنت اللي كان ممكن ترجع لهم في يوم من الأيام.. وأنا
كسبت نفسي، وكسبت العيلة اللي بجد.
تمت.
 

تم نسخ الرابط