الورق كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
والورث؟ والبيت؟ ده.. ده حقنا!
وش الحاجة زينات بدأ يقلب تاني ويرجع لأصله الناشف.
يا إيهاب، علا قالتها بمنتهى الهدوء، الورث ده ورثي أنا. دي خالتي أنا. والوجع اللي في جسمي وجعي أنا. من عشر دقايق كنتوا بتصرخوا إني أنانية وبصرف من مالك. خلاص، ريحتكم من أنانيتي. هروح أصرف مالي على نفسي.. لوحدي.
إنتي اتجننتي؟ سحر صرخت لما عرفت إن أحلام الفسحة في الريف طارت. دي فضيحة! تسيبي جوزك كده؟
تسيبي جوزك كده؟ دي فضيحة! الناس تقول علينا إيه؟ صرخة سحر رنت في المطبخ المكتوم، وعينيها بتطق شرار بعد ما أحلام العزبة والهوا الطلق اتبخرت قدامها.
علا وقفت بثبات، عينيها بتمر عليهم واحد واحد بنظرة فيها من الشفقة قد ما فيها من الاحتقار. الفضيحة الحقيقية يا سحر مش إني أمشي.. الفضيحة إني عشت معاكم السنين دي كلها بشقى وأتعب وأدفع من صحتي وعمري، وفي الآخر ألاقيكم مستخسرين فيا يوم راحة. الفضيحة إن أخوكي مستني مراته ترجع من الشغل عشان تصرف عليه وعلى أهله، وأول ما يطولوا منها قرش، ينهشوها.
إيهاب وشه جاب ألوان، حس إن رجولته المزعومة بتتهد قدام أمه وأخته. رمى فوطة المطبخ على الأرض وصرخ بصوت حاول يخليه خشن إنتي اتجننتي يا علا؟ عمالة تخرفي وتقولي هسيب البيت والورث بتاعي لوحدي! طب قسماً
علا ضحكت ضحكة قصيرة، خالية من أي مشاعر. هتعمل إيه يا إيهاب؟ هتطلقني؟ يا ريت، تبقى وفرت عليا مشوار المحكمة وأتعاب المحامين. ولا هتحرمني من مصروف البيت اللي أنا أصلاً بدفعه من تعبي وشقايا؟ الباب اللي بهددني بيه ده، إيجاره بيدفع من جيبي، وأخرج منه وقت ما يعجبني.
الحاجة زينات، اللي لقت إن التهديد مش جايب نتيجة، وإن الفرخة اللي بتبيض دهب بتضيع من إيديهم، رجعت بسرعة لدور المسكنة. دموع التماسيح اتجمعت في عينيها وقربت من علا تمسك إيدها يا بنتي استهدي بالله.. الشيطان دخل بينكم. إحنا أهلك وناسك، والبيت ده بيتك. إيهاب بيحبك وميقدرش يستغنى عنك، ده إحنا كنا بنهزر معاكي، إنتي قلبك أبيض وبتاخدي على خاطرك بسرعة.
علا سحبت إيدها بهدوء بس بحزم. القرش بيخلي الدم ميه يا طنط، ما بالك بقى لو مفيش دم أصلاً؟ أنا سمعت كلامكم من ورايا كتير، وشوفت نظراتكم ليا وأنا راجعة هلكانة. كلامكم النهاردة مكنش هزار، ده كان الحقيقة اللي جواكم واللي طفحت أول ما حسيتوا إني ممكن أستريح.
سابتهم واقفين في المطبخ مصدومين، ودخلت أوضة النوم. فتحت دولابها وبدأت ترص هدومها في الشنطة بنظام وهدوء غريب. إيهاب دخل وراها، قفل
علا.. عشان خاطري فكري تاني. أنا عارف إني قصرت، وعارف إن أمي وسحر كلامهم سم أحياناً.. بس أنا جوزك. إحنا عشرة. إنتي هتروحي تعيشي في طنطا لوحدك إزاي؟
علا مقطعتش ترتيب هدومها، مابصتلوش حتى وهي بترد أنا عمري ما كنت لوحدي هناك يا إيهاب. أستاذ مازن الشناوي، المحامي بتاع خالتي، راجل محترم وخلصلي كل الورق والإجراءات، والبيت هناك متسجل باسمي وجاهز على السكن. وحتى جارتنا القديمة، الحاجة زينب، بمجرد ما عرفت إني راجعة، فتحت البيت ونضفته ومستنياني. الناس هناك قلوبها نضيفة، مابيعرفوش يمثلوا الحب عشان مصلحة.
إيهاب وقف مكسور، بيراقبها وهي بتقفل سوستة الشنطة. حس إن كل حاجة بتنهار. يعني خلاص؟ هتهدي البيت عشان ورث جالك؟
علا رفعت الشنطة وبصتله في عينه مباشرة. أنا مابهدش بيت يا إيهاب، أنا بخرج من سجن. البيت ده كان قايم على كتافي أنا، ولما كتافي وجعتني، ملقتش حد فيكم يسندني. الورث ده مجرد فرصة ربنا بعتهالي عشان ألحق اللي باقي من عمري.
طلعت للصالة، كانت الحاجة زينات وسحر قاعدين على الكنب في حالة صمت مريب، بيبصوا لبعض ومش عارفين يقولوا إيه.
علا وقفت عند الباب، لفتلهم لفة أخيرة وابتسمت ابتسامة خفيفة. بالمناسبة، صينية الكيكة التايجر
فتحت الباب، وسحبته وراها، ومع قفلة الباب، حسّت كأن جبل انزاح من على صدرها. الهوا بره كان بارد بس منعش. نزلت السلالم وهي حاسة إن رجليها خفيفة لأول مرة من سنين.
وفي الشقة، فضل الثلاثة قاعدين في الصمت. ريحة الفراخ المحروقة كانت لسه معبية المكان. الحاجة زينات بصت لإيهاب بصدمة وغيظ واقف تتفرج عليها وهي ماشية؟
إيهاب قعد على الكرسي وحط وشه بين إيديه، وقال بصوت مكتوم هعمل إيه يعني؟ خلاص، مشيت.
سحر بصت للسفرة الفاضية وبطنها بتوصوص، وقالت بنبرة فيها حسرة حقيقية طب وبعدين؟ مين هيعملنا العشا دلوقتي؟ أنا جعانة.
بعد يومين، كانت علا واقفة في حوش البيت الكبير في طنطا. الشمس كانت دافية، وريحة الأرض المرشوشة بالمية معطرة الجو. الحاجة زينب كانت قاعدة على دكة خشب بتبتسم لها وهي بتشرب الشاي.
نورتي بيتك ومطرحك يا بنتي.. ريحة الغالية بهية رجعت للدار.
علا أخدت نفس عميق، ملت صدرها بالهوا النضيف، وبصت لشجر التفاح والمانجو اللي مالي الحوش. ضهرها مكنش بيوجعها، ورجليها كانت ثابتة على الأرض. لأول مرة من فترة طويلة، حست إنها رجعت لنفسها. رجعت