عناق الحياة كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

في الحضانة المجاورة، كانت نور تتحرك بتململ وكأنها تشعر بألم أختها. وفجأة، لمعت في ذهن ليلى فكرة قرأت عنها ذات مرة في الأبحاث العلمية الأجنبية، لكنها لم تُطبق في مستشفاهم من قبل تلامس الأجساد.
بدون تردد، وبدافع من غريزة الأمومة التي تسكن كل ممرضة مخلصة، اقتربت ليلى من الطبيب وقالت بصوت واثق رغم الدموع دكتور، أرجوك.. خليني أحط نادية في حضانة نور. خليهم مع بعض، يمكن يحسوا ببعض.
الكل ذهل من الطلب. إنتِ بتقولي إيه يا ليلى؟ ده ضد القواعد، وممكن نعدي البنت التانية! رد الطبيب بحدة.
لكن ليلى أصرت البنت بتموت يا دكتور! مفيش حاجة نخسرها.. سيبني أجرب، دي كانت وصية ربنا إنهم يتخلقوا في رحم واحد، ليه بنفصلهم وهما في أضعف لحظاتهم؟
تحت إصرارها، وافق الطبيب بيأس. ببطء شديد وبيدين ترتعشان، حملت ليلى نادية التي كانت تبدو كجسد بلا روح، ووضعتها برفق شديد بجوار أختها نور.
المعجزة بدأت هنا.
بمجرد أن شعرت نور بجسد أختها يلامسها، حدث شيء لم يره أحد في المستشفى من قبل.
نور التي كانت بالكاد تتحرك، مدت ذراعها الصغيرة جداً، ولفّتها حول رقبة أختها نادية في مشهد عناق أبكى كل من في الغرفة.
مرت دقائق من الصمت الرهيب.. الأعين كلها معلقة على شاشة مراقبة القلب. وفجأة.. بدأ الخط المتذبذب لنادية يرتفع. نبضات القلب بدأت تنتظم. نسبة الأكسجين بدأت تصعد من 40 إلى 50، ثم 70، ثم 90!
البنت التي كانت جثة هامد قبل دقائق، بدأت تستعيد لونها الوردي. بدأت تتنفس بتناغم مع نَفَس أختها.
ليلى، في تلك اللحظة، لم تتمالك نفسها. سقطت على ركبتيها أمام الحضانة، وانفجرت في بكاء مرير، بكاء الفرح، بكاء الدهشة من قدرة الخالق. الطبيب وقف مذهولاً وهو يهمس سبحان الله.. دي مش طب، دي معجزة إلهية.
الفصل الثالث مواجهة الحقيقة والشفاء
انتشر الخبر في المستشفى كالنار في الهشيم. الممرضة اللي أحيت الطفلة بحضن أختها. لكن الاختبار لم ينتهِ بعد. كان على ليلى أن تخبر الأبوين بما حدث.
دخلت ليلى غرفة الأم فاطمة. كانت فاطمة وجهها شاحب، وعيناها غارقتان في الدموع.
طمنيني يا ليلى.. نادية راحت مني صح؟ أنا حلمت بيها بتودعني.
ليلى اقتربت منها، وأمسكت يدها بقوة يا ست فاطمة، اللي خلقهم في بطنك تسع شهور، مش هيضيعهم. نادية كانت بعيدة، بس أختها نور هي اللي رجعتها.
شرحت ليلى للأم والأب ما حدث، وكيف أن عناق الحياة أنقذ ابنتهما. الأب لم يصدق، وطلب رؤيتهما فوراً.
حين دخل الأبوان إلى وحدة الرعاية، ورأوا الصغيرتين نائمتين في حضن واحد، غطى الأب وجهه بيديه وبكى بكاءً مريراً، بينما ظلت الأم تسبح بحمد الله وتدعو لليلى.
مرت الأسابيع، وتحولت ليلى إلى الملاك الحارس للتوأم. كانت ترفض أخذ إجازاتها، وتصر على متابعة حالتهما بنفسها. كانت تداعبهم، تغني لهم بصوت خفيض، وتحكي لهم قصصاً عن العالم الجميل الذي ينتظرهم بالخارج.
في يوم الخروج من المستشفى، كان المستشفى كله في وداع نور ونادية. ليلى كانت تقف بزيها الأبيض، وقد بدت عليها علامات الإرهاق لكن عينيها كانتا تلمعان بالفخر.
الأم فاطمة، وهي تحمل الطفلتين، اقتربت من ليلى وقبلت رأسها إنتِ
مش بس ممرضة يا ليلى، إنتِ الروح اللي ربنا بعتها عشان ترد فينا الروح. أنا هحكي لبناتي لما يكبروا إن ليهم أم تانية، ممرضة بطلة، رفضت تستسلم للموت.
الخاتمة رسالة من القلب
عادت ليلى إلى بيتها في ذلك اليوم، وبعد غياب طويل، ارتمت على سريرها. لم تكن تشعر بتعب ال 18 ساعة أو الوردية الطويلة، بل كانت تشعر بخفة في روحها. أغمضت عينيها وهي تتذكر مشهد العناق الصغير، وأدركت أن الطب ليس مجرد أدوية ومشارط، بل هو رحمة يضعها الله في قلوب البشر.
الدرس المستفاد من قصة ليلى والتوأم المصري
أن الأمل لا ينقطع ما دام هناك قلب ينبض بالإيمان، وأن العلم مهما وصل، يظل يقف عاجزاً أمام أسرار الروابط الإنسانية التي خلقها الله. ليلى لم تكن مجرد موظفة تؤدي عملها، بل كانت إنسانية تسعى لإحداث فارق، وهذا هو سر المعجزة.
انتهت قصة عناق الحياة، لكن ذكراها ظلت محفورة في جدران المستشفى، تُحكى لكل ممرضة جديدة تبدأ طريقها، لتذكرها أن بين يديها أمانة قد تكون هي السبب في عودتها للحياة بلمسة
حب واحدة.
انجي الخطيب

تم نسخ الرابط