صرخة مكتومة كامله بقلم انجي الخطيب
النهاردة، حوالي الساعة ١١ الصبح، فيروز رجعت بيتها بعد سفرية شغل استمرت أربع شهور طوال.
مرفعتش سماعة التليفون ولا بلغت جوزها ولا ابنها إنها راجعة؛ حبت تعملها مفاجأة.
كانت شايلة في إيدها شنط فيها خضار وحتة لحمة وشوية حاجات من اللي بيحبوها؛ كان نفسها تدخل المطبخ وتطبخ لهم أكلة سخنة تلمهم زي زمان.
وهي طالعة على السلم، هدوء البيت غزاها فجأة وخلاها تتسمر في مكانها.
مفيش صوت راديو، مفيش تليفزيون، مفيش أي حس.. سكون غريب وقاتل.
خبطت أول خبطة.. خفيفة.
بعدين خبطت أجمد شوية.
محدش رد.
فيروز استغربت وقطبت جبينها راحوا فين دول؟
قربت من الباب وخبطت تاني بانتظام تيك.. تيك.. تيك..
شيء غريب إن مفيش حد يفتح والوقت داخل على الظهر.
استنت لحظة، وعينها على الباب مستنية جوزها أو ابنها يفتحوا، بس مفيش فايدة.
بدأت تدور في شنطتها بلهفة على المفتاح، وبما إنها مستخدمتوش من فترة، خدت وقت عقبال ما طلع في إيدها.
فتحت فيروز الباب.. وأول حاجة خطفت نظرها إن الشقة كانت نظيفة ومرتبة بشكل مريب، مش ده المنظر اللي اتخيلته لبيت غابت عنه إيد الست أربع شهور.
دخلت بخطوات هادية، وحطت الشنط على السفرة.
وهنا.. عينيها وقعت عليه.
جزمة حريمي، كعبها واطي ورقيق، مسنودة على الحيطة.
تجمت مكانها.. الجزمة دي مش
كانت متأكدة بوجع وقبضة في قلبها إنها مش ملكها؛ فيروز طول عمرها مبتحبش الكعب الواطي ده ولا بتلبسه.
جه في بالها خاطر بيحاول يطمنها يا ترى بيجهزوا لي مفاجأة؟ ممكن تكون هدية ليا؟
قربت ومسكت الجزمة عشان تعاينها.. كانت باين عليها إنها ملبوسة ومستهلكة، والأهم إن ذوقها بعيد كل البعد عن ذوق فيروز.. حاجة كدة صارخة ولفتة للنظر بزيادة.
بلعت ريقها بصعوبة.. بتاعة مين دي؟
ضربات قلبها بدأت تسرع، وبقت تسبق خطواتها.
مشيت ناحية الطرقة، وخطوتها بتصغر وتتقل، كأن الأرض ممكن تنهار تحتها في أي لحظة.
باب أوضة النوم الكبيرة كان موارب.. قربت وزقته بالراحة وهي بتنادي بصوت مهزوز مين هنا..؟
وقفت مكانها..
نور الصبح كان داخل من الشباك، رامي ضلال مشوهة على السرير.
الملايات كانت متلعبكة.. وكان فيه شخصين.
أو ده اللي بان لها في الأول.
فيروز مكنتش مستوعبة هي شايفة إيه بالظبط.. مكنتش فاهمة.
فيه حاجة غلط.. حاجة مش طبيعية بالمرة.
خدت خطوة كمان.. والسكوت اللي كان مالي البيت مبقاش سكوت.
بقى حاجة تانية.. أتقل.. وأخنق.
مين اللي هنا؟
محدش رد.
وبعدين، لمحت تفصيلة.. صغيرة.. تافهة.. بس كانت كفاية.
إيديها بدأت تترعش برعب.
خدت خطوة تانية من غير ما تحس.. النفس بدأ يضيق في صدرها.
وفي اللحظة دي.. فهمت
يتبع في الجزء الثاني...
محدش رد.
قلبها وقع في رجليها.. الهدوء ده كان فيه حاجة غلط، حاجة بتنقبض لها الروح.
لمحت الباب موارب سنة صغيرة.
نبضات قلبها بقت مسموعة.. زقت الباب بالراحة وهي بتنادي بصوت مهزوز يحيى؟.. ياسين؟
الشقة كانت كأنها مهجورة.
ذرات التراب كانت باينة في خيوط الشمس اللي داخلة من الشباك، مترسبة على العفش اللي واضح إنه ماتحركش من مكانه بقاله شهور.
المطبخ، اللي كان دايمًا عنوان الدفا واللمة، ريحته كانت غريبة.. ريحة هجر.
حطت الشنط من إيدها بحذر، وهي بتحاول تهدي أفكارها اللي بدأت تضرب في بعضها.
وشوشت لنفسها وهي بتطمن روحها تلاقيهم نزلوا يتمشوا شوية.. هما ميعرفوش إني جاية.
بدأت تطلع الخضار واللحمة، وعقلها بيرتب لطبخة بسيطة تلم الشمل.
وفجأة.. سمعت صوت جاي من الصالة.
صوت نهنهة مكتومة.. صوت حد بيعيط.
فيروز اتسمرت مكانها، وبعدين جريت ناحية الصوت.
في الركن، تحت بطانية تقيلة، كان ياسين ابنه صاحب العشر سنين، حاشر راسه بين إيديه وجسمه كله بيتنفض.
ياسين!.. صرخت فيروز وهي بتترمي عليه.
الولد مردش في الأول، وبعدين همس بصوت مبحوح وتايه ماما؟.. يا ماما.. فيه حاجة وحشة حصلت.
فيروز حست بغصة في حلقها.. نبرة صوته وشكل قعدته بيقولوا إن الموضوع أكبر بكتير
قولي يا حبيبي.. إيه اللي حصل؟
رفع راسه بالراحة، والدموع كانت حفرت طريقها على وشّه بابا.. بابا مشي يا ماما.
فيروز بربشت بعينيها، وعقلها وقف عن التفكير مشي؟ مشي راح فين يا ياسين؟
رد عليها والشهقة مكتومة في صدره مقامش الصبح.. حاولت أكلمك، بس معرفتش، مكنتش عايز أشغل بالك وأنتي مسافرة.
فيروز حست إن الأرض بتنسحب من تحتها.
جوزها.. شريك عمرها اللي عاشت معاه عشر سنين.. راح؟
الواقعة كانت صدمة خلت ركبها تخونها، قعدت جنب ياسين وخدته في حضنها وهي مش قادرة تستوعب الفراغ المفاجئ ده.
الساعات مرت كأنها حلم تقيل.. فيروز بدأت تتحرك آليًا، بلغت الإسعاف والقرايب وبدأت في إجراءات الدفن.
وبالرغم من الدوشة اللي كانت حواليها، بالها مكنش بيسيب الهدوء الغريب اللي حست بيه أول ما دخلت الشقة.
كأن البيت كان مستنيها.. كأن الحيطان كانت عارفة إن فيه مصيبة هتحصل.
المعاينة الأولية مقالتش حاجة مريبة.. يحيى مكنش بيشتكي من أي مرض، ومكنش له أعداء. تقرير الصحة قال إنها وفاة طبيعية ومفاجئة.
بس فيروز كان فيه إحساس بينخر في عضمها إن فيه حاجة تانية حصلت وهو لوحده.
ليه مقاليش إنه تعبان؟.. كانت بتوشوش الحيطان وهي بتلف في الشقة اللي بقت فجأة غريبة عليها.
أما ياسين، فكان غرقان في حزنه