ورث امي ومفتاح الشماليه كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

مرات أبويا كلمتني، وصوتها فيه نبرة شماتة مش قادرة تخبيها، عشان تبلغني إني ممنوعة أدخل شاليه العيلة في الساحل نهائي.. وقالت لي بمنتهى التلذذ إنها غيرت الكوالين كلها. رديت عليها بكل برود تمام، شكرًا إنك عرفتيني، وقفلت السكة. هي مسكينة، مكنتش تعرف إن أمي، الله يرحمها، كانت أذكى من الكل، ونقلت ملكية الشاليه ليا عقد بيع وشراء ومسجل في الشهر العقاري من سنين.
أول حاجة لفتت نظري كانت الشمس وهي بتودع السما، ومنعكسة على قزاز شباك شقتي. كان يوم من الأيام اللي تهد الحيل، تحس إن زحمة القاهرة ودوشتها بتفرمك بالبطيء. اللاب توب كان مفتوح على رخامة المطبخ، وإيميل مش راضي يخلص باصص لي ببرود. وقفت قدام الشباك، الموبايل على ودني، وبراقب خط النيل وهو بيتقاطع مع سما لونها بين البمبي والبرتقالي.
وفجأة، صوت مديحة شق الهدوء ده زي السكينة.
إنتي ممنوعة من دخول شاليه الساحل.. للأبد.
نبرتها كانت حادة، وفرحانة بزيادة.
ضغطت على الموبايل جامد نعم؟ بتقولي إيه؟
قالتها ببطء وهي بتستطعم كل حرف غيرت كل الكوالين، وماتفكريش حتى تقربي من هناك. ده أقل واجب عشان

بوظتي حفلة تخرج ليلى.
بصيت لشكلي في المراية.. شعري المنكوش الملموم توكة، والترينج الواسع اللي واقع من على كتفي، والهالات السودا اللي تحت عيني من قلة النوم.
قلت بهدوء مدروس الحفلة؟ اللي إنتي أصلاً ما عزمتينيش عليها؟
ضحكت باستهزاء.
كملت وكأني بفكك كدبها نفس الحفلة اللي قلتي فيها للناس كلها إني مشغولة ومش فاضية آجي؟ أنا اتعلمت من زمان إني ما أديهاش فرصة تحس بوجعي.
مديحة ضحكت ضحكة باردة زي التلج بلاش دور الضحية ده يا عاليا. الكل عارف إنك غيورة من ليلى وبتحقدي عليها. ودلوقتي، ملمحكيش عند الشاليه تاني.
غيرة.. الكلمة دي لبانة في بوقها، مش عشان حقيقية، بس عشان سهلة.
للحظة، خيالي سرح في صورة الشاليه.. السور الخشب الأبيض اللي قشر من الرطوبة، والكنبة القماش اللي قدام البحر، وصوت الموج اللي ملوش آخر. شاليه أمي.
صوت ضحكة أمي رن في ودني خفيف زي النسمة.
فوقت من سرحاني وقلت بصوت واطي الشاليه ده مش ملكك عشان تمنعيني منه.
ردت بكل ثقة وغرور لأ ملكي.. أبوكي كتب لي الشاليه الشهر اللي فات بعقد رسمي. بقى بتاعي. ومش عايزة أشوف وشك هناك. إنتي طالعة
لأمك.. فاكرة إن الدنيا كلها ملكها.
الغلط في أمي مابقاش بيلمسني، مابقاش يوجع زي زمان.
ابتسامة خفيفة اترسمت على وشي تمام.. شكرًا إنك عرفتيني موضوع الكوالين ده.
سكتت لحظة باستغراب إنتي بتقولي إيه؟ قصدك..
قفلت السكة في وشها.
الهدوء ملى الشقة، مفيش غير صوت زحمة العربيات البعيدة وزنّة التلاجة.
ممنوعة من الشاليه..
حطيت الموبايل في جيبي ورحت للمكتب الصغير اللي في ركن الشقة.. مكتب قديم عليه كراكيب وصناديق. وطيت قدام الدرج اللي تحت، وفتحته.
كان فيه مغلف بني قديم، حروفه دبلت مع الوقت، ومقفول بلزق أمي هي اللي حطاه بإيديها. قلبي اتعصر وأنا بمسكه.
مكتوب عليه من برا بخطها المنظم
عاليا أوراق شاليه المعمورة هام جدًا
كلمة هام جدًا كان تحتها تلات خطوط.
فتحت المغلف براحة. ريحة الورق القديم طلعت في مناخيري وأنا بطلع العقود.. التوكيل الرسمي، وعقد البيع والشراء اللي اتعمل قبل وفاتها بكام شهر، وصورة من التسجيل.
كانت عارفة.. الله يرحمها كانت حاسة.
افتكرت صورتها وهي قاعدة على سرير المستشفى، صوتها كان ضعيف بس عينيها كانت مليانة قوة وهي ماسكة إيدي.
قالت
لي يومها الشاليه ده هو ريحتنا يا عاليا. ده مش مجرد حيطان وخشب. ده جدك اللي بناه طوبة طوبة. أنا كبرت فيه، واتجوزت أبوكي في جنينته، وأول صيف ليكي وانتي بيبي كان هناك.
حاولت وقتها أغير الموضوع، مكنتش قادرة أواجه الحقيقة. بس هي صممت.
مديحة عينها من الشاليه من أول يوم دخلت فيه البيت، قالتها وهي بتنهج. هي شيفاه وجاهة ومنظرة، مش شيفاه بيت. وأنا مش هسمح لها تاخد كل حاجة.
وقعت الورق يومها في حضور متر حامد المحامي وصديق العيلة. مكنتش فاهمة في القانون وقتها، بس كنت فاهمة حاجة واحدة
الشاليه ده بقى بتاعي.. ومحمي من مديحة.
فوقت من ذكرياتي وعيني بتلمع بالدموع.
كان عندي عشرين سنة لما أمي ماتت.. كنت صغيرة أوي على شيل الهم ده. مديحة دخلت حياتنا بسرعة، وحاولت تمسح سيرة أمي وتغير ملامح البيت وكأنها هي اللي كانت موجودة من البداية.
إلا الشاليه.. الحاجة الوحيدة اللي معرفتش تمد إيدها عليها.
موبايلي نور تاني.. رسالة من مديحة
أنا بلغت أمن الكومباوند إنك مش مسموح ليكي بالدخول. بلاش تفرجي عليكي الناس لو حاولتي تيجي.
أحاول أدخل بيتي تسلل؟
بدل ما أرد
عليها، عملت Forward للرسالة للمحامي بتاعي
تم نسخ الرابط