البيت لا يحمي الظالمين كامله بقلم انجي الخطيب
مفيش ادعاء ملكية، مفيش محاولات رهن جديدة، ومفيش تدخل في قراراتي لو قررت أستغل جزء من الأرض في مشروع مركز تدريب لمديرين الشركات اللي كنت بفكر فيه.
فوزية مضت لأن ياسين اتحايل عليها. مضت لأنها افتكرت إن شوية الورق دول حاجة مؤقتة مش مقامها تشغل بالها بيها. والأهم من ده، إنها مضت وهي مقتنعة إن الست اللي بتلبس لبس بسيط وبتحكي بهدوء، مستحيل تكون هي اللي بتدير محفظة عقارية بملايين.
عمرها ما سألت الضرايب اتدفعت إزاي؟ ولا مين دفع تمن العزل والترميم والسيستم الجديد؟ كانت بتستقبل الناس في الصالون وكأنها هانم الزمان اللي ابنها خلص لها المواضيع.
وأنا سكت.. سكت عشان خاطر ياسين. لحد لحظة البراد.
الساعة ٧٣٠ الصبح، كنت في مستشفى خاص في أكتوبر عشان أعالج الحروق وأصورها. الجلد كان قبقب في منطقتين عند كتفي وصدرى. الممرضة سألتني لو عايزة أعمل محضر وتوثيق قانوني للإصابة.. قلت لها أيوة، طبعاً.
بعدها كلمت المحامية بتاعتي، أستاذة نهى، اللي نص شهرتها كانت من قضايا النزاعات العقارية الكبيرة.
سألتني بنبرة حادة عايزة إجراء فوري يا آية؟
بصيت لكتفي الأحمر المحروق في مراية العيادة، وافتكرت وقفة ياسين السلبية وهو شايف أمه بترميني بالمية المغلية.
قلت لها
نهى كانت عارفة الملف كويس. فوزية كانت خالفت عقد الانتفاع بكذا طريقة قبل واقعة الاعتداء دي أصلاً كانت بتأجر الجناح اللي ورا من تحت لتحت، وبتحاول تقنع مشترين إنها المالكة، ورفضت تدخل المهندسين بتوعي عشان يرفعوا المقاسات. أنا كنت صابرة ومستحملة.. بس المية المغلية طيشت الصبر ده كله.
على الظهر، كان الإخطار الرسمي وصل إلغاء حق الانتفاع لمخالفة بنود العقد، وإخلاء فوري بسبب السلوك الخطر، ومنع دخول الفيلا إلا لاستلام المتعلقات الشخصية تحت إشراف أمن. وزودنا عليها أمر عدم تعرض، لأن المية المغلية في القانون مش خناقة عائلية، دي اعتداء وشروع في إصابة.
أول مكالمة جت لي كانت من ياسين.
صوته كان مخنوق آية.. أرجوكي قولي لي إنك مبعتيش محضرين يخرجوا أمي من البيت.
قلت له أنا مخرجتهاش.. تصرفاتها هي اللي خرجتها، وخرقها للعقد هو اللي طردها.
قال لي دي اتهانت يا آية.
ضحكت بمرارة تحمد ربنا إنها جت على قد الإهانة.
رد رد قفل كل الأبواب اللي باقية بينا ما أنتي عارفة طبعها.. هي كدة.
لا اعتذار.. لا صدمة.. لا يا ساتر يا رب جرالك إيه؟.. مجرد مبرر قديم ومستهلك بقاله سنين.
قلت له ودلوقتي أنا كمان عرفت طبعك إنت كمان.
على وقت الغروب،
نهى بعتت لي صورة على الموبايل.
فوزية، واقفة بشنطتين كبار، وشها محتقن بالغل وهي بتزعق، والقفل بيتغير والمحضر واقف ببرود مهني بيتمم الإجراءات.
تحت الصورة نهى كتبت تم استلام الموقع.. مفاتيحها مابقاش ليها لازمة.
بعد تلات أيام، ياسين جالي المكتب.
كان شكله تعبان، باين عليه الهم، بس من غير الثقة اللي كانت بتملاه لما كان فاكر إن المشاكل بتتحل ب التأجيل.
قال لي أنا كنت غلطان.. في كل حاجة.
قلت له قدامك عشر دقايق.
عينه جت على الضمادة اللي على كتفي ولف وش الناحية تانية بكسوف. هي بتقول للناس إنك نصبتي عليها عشان تاخدي البيت.
ابتسمت أنا اشتريت البيت بفلوسي وحميته من الحجز.. ولولا البراد كانت فضلت عايشة فيه ومعززة مكرمة.
ياسين طلع ملف وقال أنا جيت أقولك حاجة تانية.. هي مكنتش بس بتكذب في موضوع البيت، دي كانت بتستخدم ورق قديم لشركتك عشان تفتح حسابات خدمات وتعمل تعاملات باسمك.. أنا جبت لك الورق اللي يثبت ده.
بصيت في الورق.. كان فيه تزوير واضح لتوقيعي.
سألته يعني خلاص مش هتغطي عليها تاني؟
قال لي خلاص.
صدقته،
بعد أسبوع، رجعت الفيلا لأول مرة. كانت هادية ونظيفة، مفيش فيها ريحة بخور فوزية التقيل ولا صور العيلة الملكية اللي كانت حاطاها في كل حتة. وقفت في المطبخ، في نفس المكان اللي اترمى فيه البراد.
الوجع الجسدي راح، بس الوجع اللي في الروح ساب علامة.
فتحت الشبابيك الكبيرة اللي بتبص على الجنينة، ووقعت على العقد النهائي لتحويل الفيلا لمقر إداري لشركتي ومركز مؤتمرات دولي. مابقاش فيه بيت عيلة، ومابقاش فيه أساطير وهمية.
فوزية انتهى بيها الحال في شقة إيجار في منطقة عادية، وسط جيران ميعرفوش هي بنت مين ولا فارق معاهم قصصها. وياسين ساب القاهرة كلها ونقل شغله لمحافظة تانية، ومضينا ورق الطلاق بهدوء. بعت لي رسالة أخيرة بيقول فيها إنتي كنتي أقوى واحدة فينا، وأنا اتعاملت مع قوتك دي كأنها حق مكتسب بيديني وقت أغلط.. بس الوقت خلص.
كان عنده حق.
الناس فاكرة إن الانتقام لازم يكون صريخ وفضايح.
بس الحقيقة، أقوى انتقام هو الورقة والقلم.
توقيع.. بند في عقد.. محضر رسمي.. وحق بيتاخد بالقانون في هدوء.
فوزية رمت المية المغلية على ست كانت فاكراها ضعيفة وملهاش ضهر..
وتاني يوم الصبح، القانون عرفها إن الست دي هي اللي كانت شايلة السقف اللي مداريها.
النهاية
بقلم انجي الخطيب