نهاية برستيج

لمحة نيوز


بتتراجع.
مارجريت كانت بتضحك وهي مش عارفة إن الأرض اللي واقفة عليها بدأت تتحول لرمل ناعم بيسحبها لتحت.
نمت نوم عميق، أحلى نوم في حياتي.
صحيت على صوت اهتزاز الموبايل على الكومودينو، كأنه صرصار محبوس عمال يخبط في كل حتة.
بصيت في الساعة.. 815 الصبح.
لقيت 12 مكالمة فايتة. 10 من دانيال، و من رقم غريب عرفت إنه الخط الخاص بتاع مارجريت اللي مش بتستخدمه غير في الكوارث.
اتعدلت في السرير، وكلمت دانيال.
رد فوراً وصوته كان مقطوع ومرعوب أودري! إيه اللي حصل؟
رديت ببرود مش عارفة، قولي إنت فيه إيه؟
قال وهو بيلهث الدنيا مقلوبة يا أودري.. مامي جالها تليفون من النادي الساعة 7 الصبح. لغوا عضويتها فوراً! قالوا لها أسباب سلوكية ومراجعة قيم.
سكت ومردتش.
كمل وهو مخنوق وبعدها.. جالها إيميل من الجمعية الخيرية. طلبوا منها تستقيل قبل الظهر، يا إما هيفتحوا تحقيق رسمي في ممارساتها.
سألته وباباك؟
دانيال صوته كان طالع بالعافية نادي الجولف لغى عضويته هو كمان. من غير شرح، مجرد جواب بيقول إن امتيازاته اتوقفت لأجل غير مسمى. أودري.. العالم كله بيتهد فوق دماغهم.
سيبت السكوت يطول شوية.. وبعدين دانيال همس هي شاكة إنك إنتي اللي ورا ده.
سألته وإنت شايف إيه؟
سكت فترة وقال مش عارف أفكر.. أنا جاي في الطريق.
وقبل ما يقفل، الرقم الغريب اتصل تاني.
قلت له لازم أقفل، معايا مكالمة تانية.
فتحت الخط ألو؟
أودري! صوت مارجريت كان ميتعرفش. الشياكة واللباقة اختفوا، وبان صوت حاد ومكسور. عملتي إيه؟
مردتش عليها بنفس العصبية، رديت ببرود أكتر صباح الخير يا مارجريت.
صرخت فيا ماتلعبيش معايا! حياتي بتتدمر! أنا عارفة إنك عملتي مكالمات.

أنا متأكدة إنه إنتي!
قلت لها بمنتهى الهدوء أنا بس استفسرت عن شوية حاجات.. زي ما إنتي عملتي شوية قرارات بخصوص كشف المعازيم.
مكانش ليكي حق!
رديت عليها بحدة لأ، كان ليا كل الحق. إنتي استبعدتيني من عيلتك، واستخدمتي مؤسسات المفروض إنها محترمة عشان تمارسي بلطجة اجتماعية. أنا بس سألت المؤسسات دي لو قيمها ماشية مع قيمك.. والظاهر إنها طلعت مش ماشية.
إنتي فضحتيني!
لأ يا مارجريت، تصرفاتك هي اللي فضحتك. أنا بس نورت النور.
قفلت السكة في وشي.
أقل من ساعة، وسمعت صوت فرملة عربية في المدخل.
دخل دانيال الأول، وشه كان مخطوف، كأنه شبح للراجل اللي خرج من البيت ليلة امبارح. ودخلت وراه مارجريت وريتشارد.
مخبطوش، دخلوا هجوم.
مارجريت كانت واقفة في نص الصالة ماسكة شنطتها كأنها درع، وبتبص لي بنظرة فيها كره ورعب في نفس الوقت.
سألتني بحدة إنتي مين بالظبط؟
ده كان أول سؤال حقيقي وصادق تسألهولي من يوم ما عرفتها.
قمت وقفت من مكاني. معزمتش عليهم يقعدوا ولا سألتهم يشربوا إيه.
قلت لها أنا الست اللي إنتي استهونتي بيها.
وحكيت لهم كل حاجة. حكيت عن جدي، وعن شغلي، وعن شبكة العلاقات اللي عندي في مراجعة الأخلاقيات والرقابة.. الناس اللي هي كانت بتهملهم عشان أساميهم مش رنانة بما يكفي.
بصيت في عين مارجريت وقلت لها إنتي عاملتيني كأني شفافة.. ونسيتي إن الناس الشفافين بيشوفوا كل حاجة.
ريتشارد بص لدانيال وقال له إنت كنت تعرف إنها تقدر تعمل كده؟
دانيال بص لي، وبعدين بص لأمه. ولأول مرة، الغمامة اللي كانت على عينه طارت. شاف الحقيقة وشاف مين الظالم ومين المظلوم.
قال دانيال بصوت واطي كنت عارف إنها ذكية.. بس مكنتش عارف إنها
كانت بتضغط على نفسها ومستحملة كل ده عشان تحمينا.
مارجريت وشها اتلوى من الغيظ تحمينا؟ دي دمرتنا!
دانيال رد عليها وبقوة لأول مرة هي دي عيلتي يا مامي. وانتي ليلة امبارح وضحتي إنك مش شايفة كده. الموضوع ده انتهى لحد هنا.
مارجريت رجعت لورا كأنها خدت قلم على وشها. بصت لابنها، وبعدين بصت لي. عرفت إنها ملقاش أي سلطة خلاص. النوادي راحت، الجمعيات راحت، وحتى ابنها بدأ يضيع من إيدها.
حاولت تلم اللي فاضل وقالت الموضوع ده أكبر مما تتخيلي.
دانيال رد وهو بيمسك إيدي لأ، الموضوع ده بالظبط بالحجم اللي يستحقه.
توابع اللي حصل كانت سريعة وقاسية.
الاستقالات اتقدمت، والإشاعات ملت الدنيا. وفي الوسط بتاعهم، ريحة الفضيحة بتنتشر زي النار في الهشيم. الناس اللي كانوا مستحملين غلاسة مارجريت سنين، فجأة لقوا شجاعتهم لما شافوها اتشالت من مناصبها.
العزومات وقفت، والمكالمات قلت. البرستيج اللي مارجريت كانت محوشاه زي الذهب بقى تراب في اللحظة اللي المؤسسات دي بطلت تدعم كدبتها.
ريتشارد انطوى على نفسه وقعد في البيت، وبقى مضطر أخيراً يواجه مراته اللي سكت لها 40 سنة، من غير ما يكون فيه نادي جولف يهرب فيه منها.
إيفان ولايا بعتوا كارت بسيط ومهذب بيتمنوا لنا فيه الخير. هما ناس بيعرفوا يعوموا، شافوا المركب بتغرق فبعدوا عنها. وأنا سبتهم في حالهم.
بس التغيير الحقيقي حصل جوه بيتنا إحنا.
أنا ودانيال متمثلناش إن كل حاجة تمام. مكنش ينفع.
قعدنا على السفرة ليلة بعد أسبوع من الانفجار ده. البيت كان هادي، بس هدوء مريح وصادق.
دانيال قالي وهو باصص في إيده كنت فاكر إن المشي جنب الحيط هيخلي الكل مبسوط.. مكنتش عارف إن ده معناه إني
بضحي بيكي.
رديت عليه أنا مش محتاجة إنك تحميني يا دانيال. أنا أقدر أحمي نفسي، وأنا أثبت ده. أنا محتاجة إنك تقف جنبي. محتاجة أعرف إن ولائك الأول ليا أنا.
بص لي وعينه فيها دموع وقال إنتي فعلاً ولائي الأول. أنا آسف إن الموضوع وصل لإني أحرق القرية كلها عشان
أفهم ده.
بدأ يروح لدكتور نفسي، وبدأ يتعلم يفصل بين الحب وبين الطاعة العمياء. بدأ يحط حدود كان المفروض تتحط من عشرات السنين.
أما مارجريت؟ طلبت تقابلني بعد فترة عشان تصفي النفوس.
رفضت.
مش رفضت عشان أنتقم، رفضت لأن النفوس صفت فعلاً. هي ورتني حقيقتها، وأنا صدقتها. مكنتش محتاجة اعتذار منها عشان أحس بوجودي.
أنا مخدتش حاجة مادية من اللي حصل. مخدتش جايزة ولا اعتذار علني.
بس بطلت أصغّر نفسي.
رجعت لحياتي بقوة مكنتش حاسة بيها من سنين. بقيت بدخل أي مكان وراسي مرفوعة، وبقول اللي في قلبي، وبطلت أعتذر على إني موجودة.
الدرس اللي اتعلمته مش عن الانتقام.. الدرس كان عن القبول. إيه اللي إنتي بتقبليه على نفسك؟
لما حد يستبعدك عشان يختبر قيمتك، هو كده بيقولك إنه ناوي يعاملك كده طول العمر. ولما حد يطلب منك تسكتي عشان الدنيا تمشي، هو بيطلب منك تشيلي تعبه هو عشان هو ميتعبش.
أنا مدمرتش حياة مارجريت. أنا بس شلت حمايتي عن الأنظمة اللي عمرها ما حمتني.
الناس اللي زي مارجريت مش بيفقدوا قوتهم لأن حد هجم عليهم.. بيفقدوا قوتهم لما حد يقرر إنه يبطل يشارك في الوهم اللي هما عايشين فيه.
قالوا أهل البيت وبس.. افتكروا إن الكلمتين دول هيدوهم سلطة. افتكروا إنهم هما اللي بيقرروا مين اللي ليه قيمة ومين اللي ملوش.
اللي مكنوش يعرفوه إني أنا كمان كان عندي قرار.
قراري
إني عمري ما هسكت تاني في حياة بتشترط غيابي عشان تستمر.
والقرار ده.. غير كل حاجة.

تم نسخ الرابط