حِسبـة مَغلوطـة ج الاخيـر حكـايات إنجـي الخطيـب

لمحة نيوز

بمرتبه كمهندس، ومن غير فصال.. ومؤخر الصداق بتاعي يتدفع كاش مع ورقة الطلاق.
مصطفى رفع راسه، الصدمة كانت واضحة على وشه الشقة كلها باسم كريم؟ والفلوس ترجع كلها؟ أنتِ كده بتجرديني من كل حاجة يا هنا! مش هتسيبي لي مليم ولا حتة أرض؟
هنا قفلت الأجندة بضربة قوية وبصت في عينيه مباشرة أنا بجردك من الحاجات اللي أنت سرقتها يا مصطفى! الشقة دي نصها بفلوسي ونصها التاني أنت كُنت عايز تديه لأمك.. والفلوس فلوس ابني.. أنا مخدتش مليم واحد مش حقي.. أنا بحمي ابني من أبوه وأهل أبوه اللي مأمنهومش على لقمة عيشه.. لو مش عاجبك، المحكمة موجودة، بس افتكر إن المحكمة هتاخد منك الشقة والفلوس، وهتاخد معاهم وظيفتك وحريتك.
الحاجة اعتماد شَدت ابنها من قميصه وتبكي امضي يا بني.. امضي واشتري نفسك.. الفلوس هجيبها من شيرين، هخلي جوزها يتصرف أو نبيع الدهب اللي حيلتنا.. الشقة تروح لكريم مش مهم، دا ابنك برضه ومن دمك.. بس بلاش السجن يا مصطفى.. بلاش الفضيحة.
مصطفى حس بمرارة الهزيمة الكاملة. الراجل اللي دخل الصالة من يومين بضحكة cruel وشماتة، قاعد دلوقتي بيمضي على ورق بيمسح كل خططه الأرض. أخد التليفون من هنا وقال بصوت مكسور كلمي المحامي يا هنا.. خليه يطلع بالورق.
يوم الحصاد
تاني يوم الصبح، المشهد
في مكتب الأستاذ عبد العزيز كان هادي جداً برغم قسوته. مصطفى والحاجة اعتماد قاعدين على كراسي الجلد، والورق قدامهم. الأستاذ عبد العزيز راجع التنازلات وعقود البيع والتفويضات البنكية بدقة، وبعد ما اتأكد إن كل حاجة قانونية ومفيهاش ثغرة، خلى الحاجة اعتماد تبصم وتمضي، ومصطفى مضى كشاهد أول وضامن للتنفيذ.
بعدها، طلعوا كلهم على البنك اللي فيه الحساب المشترك. شيرين كانت واقفة جمب جوزها اللي كان وشه أسود من الكسوف والفضيحة وسط الموظفين. شيرين حطت الفلوس في حساب كريم وهي بتبكي وبتبص لهنا بغل، بس هنا مكنتش شايفة شيرين أصلاً؛ كانت مركزة على موظف البنك وهو بيختم الدفتر الجديد باسم كريم مصطفى محمود وبيحط الختم الرسمي.
اتفضلي يا مدام هنا، الحساب بقا جاهز والفلوس كاملة، الموظف قالها بابتسامة.
شكراً يا فندم، هنا أخدت الدفتر وحطته في شنطتها بحرص، وكأنها بتشيل قلب ابنها جوة الشنطة.
الخطوة الأخيرة كانت عند مكتب الشيخ عثمان المأذون الشرعي في حي وسط البلد. القعدة مكنتش فيها زغاريط ولا عتاب أهلي؛ كانت قعدة بيزنس وجافّة.
المأذون عدّل نِظارته وبص للاتنين يا باشمهندس مصطفى، أنت موافق على الطلاق على الإبراء؟
مصطفى بص لهنا للمرة الأخيرة، كان فيه في عينيه نظرة ندم حقيقية، نظرة الراجل
اللي عرف قيمتها بعد ما خسّرها للأبد، بس هنا كانت باصة للناحية التانية، عينيها كانت معلقة على السحاب اللي بره الشباك.
موافق يا شيخنا، مصطفى قالها بصوت واطي.
وأنتِ يا مدام هناء؟
موافقة يا فندم.
حبر القلم اتمسح على دفتر المأذون، والكلمتين اللي جمعوهم من تمان سنين في الحلال، اتفكوا في ثواني بشهادة اتنين موظفين من مكتب المحاماة. مصطفى طلع المؤخر وحطه على الترابيزة، هنا أخدته من غير ما تعدّه، وحطته في الشنطة.
بداية جديدة من تحت المطر
لما خرجوا من مكتب المأذون، الدنيا كانت لسه بتمطر مطر خفيف، مطر نوفمبر اللي بيغسل شوارع القاهرة من تراب الصيف. الحاجة اعتماد أخدت ابنها ومشيوا في السكات، من غير ما يبصوا وراهم، راجعين لشقتهم القديمة وهم شايلين خيبة تدبيرهم اللي اتقلب عليهم.
هنا وقفت على الرصيف، أخدت نفس طويل وعميق، حسّت إن الهوا الساقع بيدخل صدرها بيطهرها من كل الوجع والخيانة والزن اللي عاشت فيه سنتين. طلعت موبايلها واتصلت بمديرها في الشغل.
ألو، أيوة يا فندم.. صباح الخير.. أنا حابة أبلغ حضرتك إن الظروف الشخصية اللي كُنت بمر بيها انتهت تماماً بفضل الله.. وأنا جاهزة أرجع أشرف على ملف تعاقدات مصنع المواد الخام بنفسي من بكرة الصبح، والشغل هيمشي بأعلى كفاءة زي الأول.
. تمام يا فندم، شكراً لحضرتك.
قفلت الخط، وبصت للساعة.. كانت حداشر ونص الظهر. دا ميعاد فسحة كريم في المدرسة.
طلعت على مدرسة ابنها، وقفت ورا السور الحديدي الكبير وهي بتراقب العيال وهم بيجروا ويلعبوا في الحوش باللبس الأزرق. لقت كريم واقف جمب المستر بتاعه، وماسك في إيده كشكول الحساب وبيشرح له مسألة بذكاء وابتسامة مالية وشه.
كريم لَمح مامته واقفة ورا السور، ساب الكشكول وجرى عليها وهو بيضحك ماما! أنتِ جيتي بدري النهاردة ليه؟
هنا مدّت إيدها من بين السلوك الحديدية، طبطبت على وشه الدافئ وبسته من جبهته جيت عشان أقولك إن كل حاجة بقت تمام يا حبيب ماما.. أوضتك الجديدة هتتوضب، والمكتب اللي نفسك فيه هييجي الأسبوع الجاي.. ومفيش أي حاجة في الدنيا هتعطلك عن حلمك.
الواد الصغير ضحك وفرح، وجرى رجع لأصحابه يلعب مع صخب الأطفال في الحوش.
هنا فضلت واقفة، بتبص له وعينيها مليانة دموع، بس المرة دي مكنتش دموع قهر أو وجع.. كانت دموع نصر. حطت إيدها في جيب الجاكيت، ولمست دفتر التوفير وعقد الشقة اللي باسم ابنها. وعرفت إن الشتا السنة دي، برغم المطر والبرد اللي بره، هيكون أدفى شتا هتعيشه في بيتها.. بيتها اللي حمته بذكائها ونَفَسها الطويل، واللعبة اللي بدأها الخاين.. انتهت بقانون الأمومة
اللي مبيخسرش أبدًا.

تم نسخ الرابط