حِسبـة مَغلوطـة ج الاخيـر حكـايات إنجـي الخطيـب
الفصل الأخير الحصاد المرّ
الساعات اللي بقت بتعدي على البيت مكنتش شبه أي وقت مرّ على هنا ومصطفى من يوم ما اتجوزوا. الصمت اللي حلّ في الصالة بقى صمت تقيل، عامل زي السكون اللي بيسبق زلزال هيهد كل اللي باقي من الحيطان. مصطفى فضل قاعد على الكنبة، وشه دبلان، وعينيه مركّزة في الأرض وكأنه بيدوّر على كرامته اللي تاهت بين تدبير أمه وجشَع أخته.
الحاجة اعتماد وبنتها شيرين نزلوا شقتهم وهما بيجروا رجليهم ورا بعض. الخوف كان مكلبش في قلوبهم، والورقة الرسمية اللي هنا رمتها قدامهم كانت عاملة زي حبل المشنقة اللي مستني إشارة عشان يتلف حوالين رقابهم.
ليلة الحساب
على الساعة تسعة بالليل، الباب اتفتح بالراحة ودخلت الحاجة اعتماد. مكنش في إيدها كباية القهوة ولا وراها شيرين بتفتح الدواليب بقوة عين. كانت لافة شالها الأسود حوالين كتافها، ووشها باهت، كأن الجبروت اللي عاشت بيه سنين اتمسح بأستيكة.
بصت لمصطفى اللي كان لسه قاعد في مكانه من الصبح ومغيرش هدومه، وبعدين بصت لأوضة هنا اللي كان طالع منها نور خفيف وصوت كريم وهو بيقرأ درس الحساب بصوت واطي.
مصطفى، همست الحاجة اعتماد وصوتها كان فيه رشة خوف لأول مرة. البت دي مش هتهدى يا بني.. أنا كلمت الأستاذ فرج المحامي جارنا، ووريته صورة
مصطفى رفع راسه ببطء، عينه كانت حمرا زي الدم من كتر السهر والتفكير، وبص لأمه بنظرة كلها عتاب مرّ ارتحتي يا أمي؟ أهو الشقا اللي كُنتِ خايفة الغريبة تاخده، ضاع كله، ومستقبلي أنا اللي هيضيع.. هنا مش غبية، هنا لفت الحبل حوالينا كلنا، ورئيس مجلس الإدارة في المصنع قالي قدامك أسبوع والمسألة تتفض، يا إما الترقية تروح وسامح يقعد مكاني.. أنا اتخرب بيتي بسبب زنّك!
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح، وخرجت هنا. كانت لِمّت شعرها لفوق، ولابسة عباية بيتي سودا سادة، ملامحها كانت هادية وراسينه، مفيهاش لا غل الشماتة ولا انكسار الضحية. قعدت على الكرسي المفرد قدامهم، وحطت رجل على رجل.
الحاجة اعتماد بلعت ريقها، وبصت لهنا، وحاولت ترجع لنبرة الود المصطنعة جرى إيه يا هنا يا بنتي؟ إحنا أهل في الأول وفي الآخر، ومفيش بين الأهل محاكم وقضايا.. مصطفى ابن ناس ومغلطش، هو بس كان خايف على قرشه، وأنا أمه وماليش في الدنيا غيره.. والمسامح كريم يا
هنا بصلتها بنظرة باردة خلت الست الكبيرة تسكت وتنزّل عينيها الأرض. خاطر كريم؟ هنا قالتها بنبرة هادية بس بتجرح زي الموس. هو أنتِ كُنتِ فاكرة كريم وأنتِ بتخطي مع ابنك إزاي تسرقوا الفلوس اللي شايلاها لتعليمه ومستقبله؟ كُنتِ فاكرة كريم وأنتِ بتقولي لمصطفى ارميها برة وخد الشقة اديها لشيرين تتجوز فيها؟ كريم ده مكنش في حساباتكم.. كُنتوا شايفيني ست غلبانة، مقطوعة، هبكي وأصوت وألم هدومي في أكياس وأروح أقعد عند أهلي وأستعوض ربنا في شقا عمري.
ألتفتت لمصطفى اللي كان باصص للأرض بكسرة بس أنت يا باشمهندس، اللي عشت معاك تمان سنين، كُنت عارفني كويس.. عارف إني مبسبش حقي، وعارف إن القرش اللي كُنت بوفره من لقمة بوقي مكنش عشان أمك تتباها بيه قدام قرايبها ولا عشان أختك تجيب بيه غسالة وتلاجة زيرو ع الجاهز.. الفلوس دي تمن عرق وأيام صعبة.
مصطفى اتكلم بصوت مخنوق أنا مستعد لأي حاجة يا هنا.. قولي شروطك وإحنا هنقفل القضايا دي بكرة الصبح.
هنا طلعت أجندة صغيرة من شنطتها، وفتحتها وقالت الشروط مش كلام مجالس يا مصطفى.. الشروط ورق وعقود هتمضي عليها دلوقتي حالا، والأستاذ عبد العزيز المحامي تحت في العربية مستني مكالمة مني عشان يطلع بالصيغة القانونية.
الحاجة اعتماد هزت راسها بسرعة موافقين يا بنتي، قولي شروطك والستر من عندك يا رب.
شروط هنا
هنا بصت في الأجندة وبدأت تملي شروطها وكل كلمة كانت بتنزل زي المطرقة على مسامعهم
أولاً الشقة دي، بعقد بيع نهائي وبإقرار وتنازل من الحاجة اعتماد، تتكتب بالكامل باسم كريم مصطفى محمود، ويكون ليا أنا حق الولاية التعليمية والتمكين الكامل والمنفرد فيها لغاية ما الواد يتم السن القانوني.. يعني الشقة دي تخرج من ورث الحاجة اعتماد ومن أملاك مصطفى، وتبقى ملك الصغير اللي كُنتوا عايزين ترموه.
ثانياً الفلوس اللي اتسحبت من دفتر التوفير المشترك، وكلها على داير المليم، ترجع بكرة الساعة عشرة الصبح في حساب بنكي مقفول باسم كريم، ومحدش ليه حق السحب منه غيري أنا بصفتي الواصية عليه. شيرين ترجع الفلوس، تتصرف، تبيع حاجتها، تاخد قرض.. دي مشكلتكم مش مشكلتي.
ثالثاً الطلاق هيتم إبراءً لله بالمعروف عند المأذون، مع التزام مصطفى بدفع نفقة شهرية لكريم تحددها الشؤون