حضنك وطن كاملة بقلم انجي الخطيب
من على السرير يا مريم.
ضحكت بسخرية وهي بتمسح دموعها
وإنت مالك؟
مالياش؟!
لأول مرة صوته علي.
كل اللي في الأوضة اتوتروا.
قرب خطوة وقال
إنتِ كنتِ هتموتي نفسك.
ردت بعصبية
وأعيش ليه؟! علشان أربي تلات أطفال في أوضة وصالة؟!
سكتت لحظة وبعدين كملت بانهيار
أنا معنديش حد يا ياسين محدش.
الصمت ملي المكان.
وبعدين حصل اللي محدش توقعه.
ياسين نزل على ركبته قدام سرير العمليات.
الرجل اللي رجال أعمال ووزراء بيقفوا له كان راكع قدام ست بتلبس روب مستشفى رخيص.
وقال بصوت مبحوح
عندكِ أنا.
مريم بصتله بعدم تصديق.
متأخر أوي الكلام ده.
غَمّض عينيه للحظة، كأنه بيحاول يبلع عمر كامل من الندم.
أنا مختفيتش بإرادتي.
سكتت.
وهو كمل
يوم ما جيت أطلبك رسمي أبوكي طردني. بعدها بساعات العربية بتاعتي اتقلبت على طريق الإسماعيلية.
شهقت مريم.
دخلت في غيبوبة ست شهور ولما فوقت كنت بره مصر للعلاج. حاولت أوصلك بعدها عرفت إنك اتجوزتي.
الهواء اختفى من صدرها.
كل السنين اللي فضلت تكرهه فيها كانت مبنية على كذبة.
دموعها نزلت بصمت.
ليه محدش قالّي؟
ابتسم بمرارة
أبوكي كان فاكر إنه بيحميكي من واحد مستقبله مجهول.
سكتت ثواني طويلة.
وبعدين قالت بصوت متكسر
خلاص يا ياسين كل حاجة راحت.
عينيه نزلت على بطنها.
وقال بثبات
لأ لسه في حياة كاملة جواكي.
في نفس الليلة،
ما رجعتش شقتها في شبرا.
ياسين ودّاها لبيت هادي على النيل في الزمالك.
مش قصر ولا استعراض ثراء.
لكن بيت دافي بشكل يخلي القلب يهدى.
أول ما دخلت، لقت ست كبيرة قاعدة بتقرأ قرآن.
رفعت الست عينيها وابتسمت بحنان
دي مريم؟
ياسين هز راسه.
الست قامت فورًا ومسكت إيد مريم بحب
يا ضنايا حمدالله على سلامتك.
مريم بصت لياسين باستغراب.
همس
دي أمي.
اتجمدت مكانها.
كانت متوقعة تشوف نسخة تانية من أم كريم المتكبرة القاسية.
لكن والدة ياسين ضمتها لصدرها ببساطة وقالت
البيت نور.
في اللحظة دي مريم حست إنها هتعيط من التعب.
مش من الحزن.
من الإحساس الغريب بالأمان اللي نسيته من سنين.
بعد أيام، الخبر وصل لعيلة الدمنهوري.
الحاجة نوال كانت قاعدة في الفيلا بالتجمع وهي بتشرب قهوتها لما واحدة صاحبتها قالت فجأة
صحيح هو مرات ابنك السابقة مرتبطة بياسين الألفي؟
الفنجان وقع من إيدها.
نعم؟!
في نفس الوقت، كريم كان في الشركة لما شاف صورة متداولة على مواقع الأخبار.
رجل الأعمال ياسين الألفي يظهر لأول مرة برفقة سيدة غامضة حامل.
الصورة كانت لمريم.
كريم وقف مصدوم.
رجع يبص للصورة مرة واتنين.
وبعدين شاف بطنها الواضحة.
إيده اترعشت.
حاسب التواريخ بسرعة
وفجأة وشه شحب.
الأطفال أطفاله.
ليلتها، راح فيلا ياسين بنفسه.
الحراس
لكن ياسين أمر يدخل.
دخل كريم وهو متوتر بشكل عمره ما حسه.
ولأول مرة في حياته، حس إنه أقل من الراجل اللي قدامه بمراحل.
قال مباشرة
مريم لازم ترجع معايا.
ياسين كان قاعد بهدوء.
ليه؟
لأنها مراتي.
رفع ياسين عينه ببطء
طليقتك.
كريم اتوتر
الأطفال دول ولادي.
ياسين سكت ثواني.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت غرور كريم كله
الراجل مش بيبقى أب علشان كتب اسمه في شهادة الميلاد الراجل يبقى أب لما يحمي.
كريم شد فكه بغضب
دي بينا وبين بعض.
في اللحظة دي، صوت مريم خرج من آخر السلم
لأ خلاص مفيش بينا.
كانت لابسة فستان بسيط واسع، لكن لأول مرة من سنين وشها كان هادي.
كريم قرب منها بسرعة
مريم اسمعيني أنا مكنتش أعرف بالحمل.
ضحكت بمرارة
ولو كنت عرفت؟ كنت هتعمل إيه؟ ترجعني علشان خاطر الورثة؟
سكت.
وده كان كفاية.
الدموع لمعت في عينيها وهي بتقول
يوم ما خرجت من بيتك كنت بموت بالبطيء. إنت وأمك كسرتوني.
الحاجة نوال اللي كانت جاية وراه صاحت بعصبية
إنتِ جاحدة! عيشناكِ في عز!
مريم بصتلها بثبات
العز اللي من غير كرامة ذل.
ولأول مرة الحاجة نوال ما عرفتش ترد.
الشهور عدّت.
وياسين كان معاها في كل
لحظة.
في الكشف.
في التعب.
في الليالي اللي كانت بتصحى فيها مرعوبة من الولادة.
وكان كل يوم يثبتلها إن الحب الحقيقي عمره ما كان صوت عالي أو فلوس.
الحب الحقيقي أمان.
في الشهر السابع، حملها بقى خطر جدًا.
الدكتور قال بقلق
الحمل الثلاثي مرهق جدًا على القلب لازم راحة تامة.
وفي ليلة شتا، مريم صحيت على ألم عنيف ونزيف.
ياسين شالها بنفسه وجري بيها للمستشفى.
لأول مرة، الراجل الحديدي ده كان مرعوب.
واقف قدام العمليات، إيده بتترعش وهو بيدعي
يارب متاخدهاش مني تاني.
الولادة استمرت ساعات طويلة.
وأخيرًا
خرج الدكتور بابتسامة تعب
مبروك ولدين وبنت.
ياسين حس إن رجليه مش شايلاه.
دخل يشوفها.
كانت مرهقة جدًا لكن أول ما شافته ابتسمت.
همست
شفت؟ فضلوا عايشين.
قرب منها، باس جبينها، وقال وعينيه مليانة دموع
وإنتِ كمان رجعتي للحياة.
بعد سنة
كان بيت الزمالك مليان ضحك أطفال.
آدم وياسين الصغير بيزحفوا على السجادة، والبنت ليلى نايمة على صدر مريم.
مريم كانت واقفة في البلكونة وقت الغروب.
القاهرة قدامها زحمة كعادتها.
لكن قلبها أخيرًا بقى هادي.
ياسين خرج وقف جنبها.
ناولها ظرف.
فتحت باستغراب.
كان عقد شركة تصميم داخلي باسمها.
بصتله بدهشة.
ابتسم
حلمك اللي سيبتيه زمان جه وقت ترجعيه.
الدموع لمعت في عينيها.
إنت دايمًا بتعرف أحتاج إيه.
مسك إيدها وقال بهدوء
لأن اللي بيحب بجد بيشوف الروح قبل الكلام.
سكتت لحظة.
وبعدين سندت راسها على كتفه.
في الداخل، صوت الأطفال كان مالي البيت.
وفي
لكن أخيرًا
وسط كل الزحمة والخذلان والوجع اللي عاشته
مريم وصلت للمكان اللي كانت بتدور عليه طول عمرها
بيت.
حب.
وأمان حقيقي.