حضنك وطن كاملة بقلم انجي الخطيب
بعد ما اتطلقت اكتشفت إني حامل في تلات توائم. حددت معاد العملية لكن أول ما نمت على سرير العمليات، دخل راجل نفوذه يهز البلد كلها وقال
محدش يلمس مراتي.
كان مستشفى السلام الدولي في المعادي زحمة بشكل خانق.
ستات حوامل ماشية ببطء، ماسكين في إيد جوازاتهم.
واحدة بتضحك وهي بتبص على صورة السونار، والتانية بتمسح دموع فرحتها وهي حاطة إيدها على بطنها.
بصي يا حبيبتي شبهك أوي.
لا يا أحمد، مناخيره طالعة عليك إنت.
كل كلمة حلوة كانت زي سكينة صغيرة بتدخل في قلب مريم واحدة واحدة.
مريم خفضت عينيها وبصّت لورقة السونار اللي كانت ماسكاها بإيد مرتعشة.
الدكتور كاتب بوضوح
حمل ثلاثي الأسبوع السادس عشر.
فضلت واقفة قدام قسم النساء والتوليد حوالي دقيقة كاملة.
بعدها حطّت الورقة جوه شنطتها القديمة وخرجت بسرعة، كأنها هربانة من نفسها.
في الأسانسير، كانت ست بتتكلم مع جوزها عن أوضة الأطفال.
نجيب السرير من مول العرب ولا نطلبه أونلاين؟
ضحك جوزها وقال
نجيب أغلى حاجة، أهم حاجة العيال.
مريم بصّت لأرقام الأدوار وهي بتنزل ببطء.
دموعها كانت محبوسة بالعافية.
بس رفضت تعيط.
مش هنا.
مش وسط ناس لسه عندها أمل.
أول ما خرجت من باب المستشفى، هواء يوليو السخن ضرب وشها.
الدنيا زحمة.
الميكروباصات بتزعق، العربيات بتضرب كلاكس، وبياعين الشارع صوتهم مغطي على كل حاجة.
وقفت على الرصيف وطلبت أوبر.
موبايلها رن.
سارة صاحبتها المقربة.
طمنيني التحاليل طلعت إيه؟
مريم فضلت باصة للرسالة شوية طويلة.
كتبت
أنا حامل.
ومسحتها.
كتبت تاني
حامل في تلاتة.
وبرضه مسحتها.
وفي الآخر ردت
مفيش حاجة كشف عادي.
العربية وصلت.
ركبت وسندت راسها على الشباك وهي بتقول للسواق عنوان شقتها في شبرا.
شقة صغيرة إيجار قديم، في دور سادس من غير أسانسير.
من أربع شهور بس كانت مدام مريم الشرقاوي، مرات كريم الدمنهوري، ابن واحدة من أكبر
دلوقتي؟
ولا حاجة.
ست مطلقة من غير شغل ومعاها أقل من عشرين ألف جنيه.
يوم الطلاق، كريم رمى قدامها شيك بمبلغ بسيط وقال ببرود
تلات سنين جواز اعتبري إني مرضيتش أظلمك.
وقتها مريم ضحكت.
ضحكة مكسورة.
تلات سنين من عمرها
سيبت شغل الديكور اللي كانت بتحبه علشان تهتم بأمه المريضة.
تلات سنين مستنياه يرجع البيت نص الليل.
تلات سنين بتتعلم الأكلات اللي بيحبها، وبتستحمل إهانات أمه في كل عزومة.
وفي الآخر كل ده كان تمنه شوية فلوس ميجيبوش حتى حمام الضيوف في الفيلا اللي كانوا عايشين فيها.
الفيلا أصلًا كانت باسم أمه الحاجة نوال الدمنهوري.
العربية باسم الشركة.
الكريدت كارد اتقفلت يوم الطلاق.
والمحامي قالها بمنتهى الصراحة
موقفك القانوني ضعيف ولو رفعتي قضية، هتتعبي سنين.
فمريم سابت كل حاجة ومشيت.
كانت عايزة تهرب بس.
تهرب من كريم.
من أمه.
من السفرة اللي كانوا بيعاملوها عليها كأنها خدامة.
بس عمرها ما توقعت إن بعد الطلاق بشهور ربنا يحط جواها تلات أرواح مرة واحدة.
العربية وقفت قدام عمارة قديمة.
طلعت السلم وهي حرفيًا بتنهج.
فتحت الباب.
ريحة الحر والكتمة خبطتها في وشها.
الشقة كانت ضيقة جدًا.
كنبة قديمة، طرابيزة خشب متأكلة، ومطبخ بالكاد يتحرك فيه بني آدم.
الحنفية بتنقط طول اليوم.
ولمبة الحمام بترعش كأنها هتطفي في أي لحظة.
حطّت الشنطة ووقعت على الأرض من التعب.
موبايلها رن تاني.
سارة كانت بتكلمها المرة دي.
إنتِ مخبية عليا ليه؟ بنت خالتي شغالة في المستشفى وشافت الملف إنتِ حامل في توائم!
مريم غمضت عينيها.
والدموع نزلت أخيرًا.
يا سارة
هتعملي إيه؟
مريم بصّت حوالين نفسها.
الثلاجة فاضية إلا من بيضتين وزجاجة مية نصها فاضي.
بصّت للكعب اللي كانت بتنزل بيه تلف على شغل بقالها أسابيع ومحدش حتى بيرد عليها.
وقالت بصوت مكسور
حجزت
سارة سكتت ثانيتين وبعدين شهقت
عملية؟! إنتِ اتجننتي؟!
معنديش حل تاني.
دول تلات أطفال يا مريم!
وأنا معنديش فلوس أربي طفل واحد.
حاولت تمنع صوت عياطها
كريم قال إنه مش عايز يشوف وشي تاني طول عمره وأمه قالت لو قربت من الفيلا هيخلوا الأمن يرميني برا.
ضحكت بمرارة
أروحله دلوقتي ببطن كبيرة وأقوله تعالى اصرف على عيالك؟
سارة سكتت.
وبعد شوية قالت بخوف
بس العملية دي خطر إنتِ في الشهر الرابع.
سألت في دكتور هيعملها.
يا مريم بلاش
خلاص.
بعد ما قفلت، فتحت مريم جوجل تقرأ مخاطر العملية.
نزيف.
عقم.
التهابات.
خطر على الحياة.
كل كلمة كانت بتسحب الروح من جسمها.
جريت على الحمام ورجعت كل اللي في بطنها.
وبعدها قعدت على الأرض الباردة، ضامة رجليها لصدرها.
وفجأة افتكرت أمها قبل ما تموت.
كانت ماسكة إيدها في بيتهم القديم في طنطا وبتقول
أوعي تخسري نفسك علشان حد يا مريم الكرامة أهم من أي راجل.
وقتها كانت فاكرة إنها قوية.
دلوقتي؟
هي أصلًا مش عارفة الصح فين.
هل الصح إنها تخلف تلات أطفال وهي معندهاش تمن اللبن؟
ولا تمنعهم ييجوا الدنيا ويتعذبوا معاها؟
الليلة دي مريم ما نمتش.
فضلت قاعدة جنب الشباك لحد الفجر.
القاهرة كلها منورة
بس جواها كان ضلمة.
بعد تلات أيام، راحت مستشفى خاص صغير على أطراف القاهرة.
المكان هادي بشكل مرعب.
الإجراءات خلصت.
وهي بتمضي على ورق الموافقة، إيدها كانت بتترعش.
الممرضة ادتها روب أزرق فاتح.
مدام مريم؟
أيوه.
اتفضلي معايا.
الممر المؤدي للعمليات كان طويل أوي.
الأنوار البيضا فوقها كانت عامية عينيها.
أول ما نامت على السرير البارد حطت إيدها على بطنها تلقائي.
وفجأة
حست بحركة خفيفة جدًا.
خفيفة لدرجة إنها شكّت إنها متخيلة.
لكنها كانت كفاية تخلي الدموع تنزل من عينيها فورًا.
لفّت وشها الناحية التانية وهمست
سامحوني
مش عارفة بتعتذر لمين.
للأطفال؟
لأمها؟
ولا لنفسها القديمة اللي كانت فاكرة إن الحب لوحده يكفي؟
الدكتور وقف جنبها وقال بهدوء
يا مدام مريم متأكدة؟
غمضت عينيها.
ونزلت دمعة على خدها.
أيوه
الدكتور كان لسه هيدي إشارة للممرضة
وفجأة باب أوضة العمليات
اتفتح بعنف.
محدش يبدأ.
الصوت كان هادي لكنه مرعب.
كل اللي في الأوضة سكتوا فورًا.
مريم فتحت عينيها بصدمة.
شافِت راجل داخل ببدلة سودا.
طويل هيبته تخوف وملامحه جامدة بشكل يخليك متعرفش تقرأه.
ورا منه اتنين مساعدين ومدير المستشفى نفسه، وشه أصفر من التوتر.
الدكتور اتعصب
حضرتك مين؟ دي أوضة عمليات!
لكن مدير المستشفى قاطعه بسرعة
أوقف الإجراء فورًا يا دكتور.
مريم قامت نص قعدة وهي مذهولة.
الراجل قرب منها مباشرة.
بص لوشها الشاحب ثم لإيدها اللي على بطنها.
وصوته اتحول لبحّة غريبة
مريم الشرقاوي
بصتله بعدم فهم.
حضرتك مين؟
سكت ثانيتين.
وبعدين قال بهدوء هز المكان كله
أنا ياسين الألفي.
الاسم وقع على الأوضة كالصاعقة.
ياسين الألفي.
رجل الأعمال اللي اسمه لوحده بيخلي وزراء يتحركوا.
الراجل اللي شركاته ماسكة نص مشاريع الساحل والعاصمة الإدارية.
والأخطر من كل ده
إنه كان أول حب في حياة مريم والراجل اللي اختفى من سنين من غير ما يشرح لها السبب.
يتبع
مريم حسّت إن قلبها وقف لحظة.
بصّت لياسين الألفي وكأنها شايفة شبح طالع من الماضي.
آخر مرة شافته كانت من سبع سنين
وقت ما كان لسه شاب بيبدأ شركته الصغيرة، بيحلم يغيّر الدنيا، وبيقولها كل يوم
هستناكي مهما حصل.
لكن اللي حصل بعدها دمّر كل حاجة.
أبوها وقتها رفضه بشدة.
قال إنه مجرد شاب طموح معندوش ضهر.
وفي نفس الفترة، أم مريم دخلت المستشفى، وحالتها ساءت بسرعة.
مريم وقتها كانت غرقانة بين خوفها على أمها وضغط أهلها.
وفجأة اختفى ياسين.
من غير مكالمة.
من غير تفسير.
من غير حتى وداع.
بعد شهور، اتجوزت كريم الدمنهوري وهي فاكرة إنها
لكن الحقيقة إنها كانت داخلة سجن متغلف بالرخام والفلوس.
وقفت تبص لياسين بعين مليانة صدمة وغضب
إنت؟!
ملامحه ما اتحركتش.
لكن عينيه كانت مليانة حاجة أشبه بالوجع.
قال بهدوء
انزلي