رحمة للحيوانات الضالة كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

ضوافرها اتكسرت وهي بتحاول توصل، والمية الوسخة لطّخت هدومها، لكن بعد ثواني طويلة قدرت تمسك جسم صغير بيرتعش.
طلّعته.
الجرو كان أسوأهم حالًا. عينه مقفولة من الصديد، جسمه بارد، ونفسه متقطع.
وفي اللحظة اللي حطّته فيها جنب أمه
الكلبة زحفت ناحيته.
مشيت بالعافية بالعافية جدًا.
ولما وصلتلُه، لحسته مرة مرتين
وبعدين سكنت.
أم محمد اتجمدت.
يا ساتر
سيد قرب بسرعة هي ماتت؟
أم محمد بصّت في عيني الكلبة.
كانوا مفتوحين بس فاضيين.
كأنها كانت مستنية بس تتأكد إن الخمسة رجعوا جنب بعض.
وبعدين سابت الدنيا كلها ومشيت.
الدنيا حواليهم فضلت ماشية عادي.
الميكروباصات بتزعق. الناس بتجري. الحر بيحرق الأسفلت.
ولا كأن روح خرجت حالًا من جسد مرمي على الرصيف.
أم محمد قعدت على الأرض جنب الكلبة، وإيديها بتترعش وهي بتمسح على راسها.
حتى الحيوانات فيها رحمة أكتر من بني آدمين كتير
سيد
سكت. لأول مرة ما عرفش يقول إيه.
واحدة ست عدّت وقالت ببرود شيليها من هنا يا حاجة قبل الريحة ما تطلع.
أم محمد بصتلها بنظرة خلت الست تسكت وتمشي.
وبعدين قامت بهدوء وقالت هانخدهم كلهم البيت.
كلهم؟! يا خالتي انتي عارفة مصاريفهم؟
اللي يرزق العيال يرزق الجراوي.
بيت أم محمد كان أوضة وصالة في حارة قديمة بشبرا.
السقف فيه شروخ. والمروحة بتلف ببطء كأنها بتنهج. والتلاجة القديمة كانت بتصوّت أكتر ما بتبرد.
لكن أول ليلة دخلوا فيها الجراوي البيت
المكان كله اتغيّر.
أم محمد فرشت بطاطين قديمة في كرتونة كبيرة، وفضلت طول الليل تصحي كل شوية ترضّعهم بسرنجة لبن دافي جابته من الصيدلية البيطرية.
واحد منهم مات بعد يومين.
الأصغر.
اللي الكلبة زقّته ناحيتها.
أم محمد دفنته في زرعة صغيرة قدام العمارة، وفضلت طول الليل تبكي كأنها دفنت طفل حقيقي.
سيد استغرب تعلقها بيهم، لكنه
ما قالش حاجة.
كان شايف حاجة غريبة بتحصل لخالته.
من يوم وفاة ابنها الوحيد قبل سبع سنين، وهي بقت ست ساكتة عايشة وخلاص.
لكن بعد الجراوي
ابتدت تضحك تاني.
عدّى شهر.
الجراوي كبروا شوية، وابتدوا يمشوا بخباثة في البيت.
واحد يستخبى تحت الكنبة. واحد يعض الشبشب. واحد ينام فوق رجل أم محمد وهي بتتفرج على المسلسل.
أما الخامس
اللي طلعته من البلاعة
فكان مختلف.
كان أهدى واحد. وألصقهم فيها.
كل ما تتعب، ييجي يقعد جنب رجلها. كل ما تعيط بالليل، يحط راسه على ركبتها.
سمّته نجاة.
سيد ضحك ده دكر يا خالتي.
قالت وهي بتمسح على راسه بس ربنا نجّاه والاسم رزق.
في يوم مطر شديد، أم محمد اتأخرت في السوق.
رجعت البيت مبلولة وتعبانة، وإيديها ساقعة جدًا.
لكن أول ما فتحت الباب
لقت نجاة واقف ينهق بصوت عالي بشكل عمره ما عمله.
مالك يا واد؟!
الكلب فضل يلف حوالين المطبخ.
أم محمد
دخلت
وشافت أنبوبة الغاز بتسرّب.
ريحة الغاز مالية البيت كله.
ركبها ضعفت.
لو كانت ولّعت النور كان البيت كله انفجر.
قعدت على الأرض وهي بتبكي وترتعش، ونجاة حاطط راسه في حضنها.
ومن يومها
بقى ابنها.
بجد.
الناس في الحارة ابتدت تعرف الحكاية.
بنت صغيرة كانت تنزل تلعب مع الجراوي كل عصر. راجل عجوز بقى يجيب لهم بواقي فراخ. حتى البقال اللي كان بيزعق للحيوانات، بقى يحطلهم طبق ميه قدام المحل.
الحكاية عملت حاجة غريبة
فكّرت الناس إن الرحمة لسه موجودة.
بعد سنة كاملة
وقف سيد جنب أم محمد قدام نفس موقف عبود.
لكن المرة دي، ماكانتش شايلة فاكهة.
كانت شايلة لافتة صغيرة مكتوب عليها
رحمة للحيوانات الضالة أكل وعلاج مجانًا
جنبها كان نجاة، كلب كبير قوي وهادي، قاعد يبص للناس بنفس عيون أمه.
عيون تعبانة لكن فيها وفا ما يتوصفش.
واحدة ست سألت أم محمد هو ده ابن الكلبة اللي
ماتت هنا؟
أم محمد ابتسمت ومسحت على راسه.
أيوه وده اللي رجّعني للحياة بعدها.

تم نسخ الرابط