رحمة للحيوانات الضالة كاملة بقلم انجي الخطيب
الكلبة البلدي ماعادش فيها نفس تقوم تحت شمس الموقف لكن بدل ما تشرب الميه اللي اتحطت قدامها، زقّت بأنفها أضعف جرو ناحية ست غريبة، كأنها عارفة إن الروح الصغيرة دي مش هتعيش للّيل.
من الساعة ستة الصبح، أم محمد شافتها هناك.
مش في جنينة. مش قدام بيت. مش حتى في حتة يستخبى فيها حيوان بكرامة.
كانت لازقة في حيطة سخنة جنب موقف عبود، ورا كشك مقفول بتاع شيبسي وسجائر، نايمة فوق بلوفر قديم مليان تراب وزيت، وحواليها أربع جراوي لسه مولودين، لازقين في بطنها الهزيلة.
على الأقل ده اللي افتكرته أم محمد في الأول.
أم محمد كانت بتبيع أكواب فاكهة على عربية خضرا صغيرة، قريب من الرصيف اللي بتنزل عنده عربيات الصعيد والمنصورة. عندها تمنية وأربعين سنة، رجليها وارمين من الوقفة طول اليوم، وعندها عادة قديمة جدًا تلاحظ الحاجات اللي الناس كلها بتتجنب تبص لها.
عشان كده أخدت بالها من الكلبة.
كانت لونها بني فاتح أو يمكن كان زمان. قبل ما التراب والدخان والجوع يسرقوا لونها الحقيقي. ضلوعها طالعة كأنها صوابع تحت الجلد، ودانها مليانة تراب، وعينيها غرقانة في تعب مش باين إنه تعب يوم واحد
الناس كانت بتعدي جنبها عادي.
واحد يبص للجراوي ويقول يا حرام
وحدة ترمي حتة عيش من بعيد كأن الرمية دي اسمها رحمة.
سواق ساب نص كوباية شاي ساقع. شاب حدفلها نص سجق مأكول. ست حطتلها غطا فيه لبن مخفف.
الكلبة ما لمستش حاجة.
كل ما جرو يصرخ، كانت ترفع راسها بالعافية، تلعقه شوية، أو تزقه لجوه الضل تحتها بطرف مناخيرها. ولو واحد بعد زيادة، تشده بين رجليها بحنان يوجع القلب.
الساعة قربت من الضهر، والحر بقى طالع من الأرض نفسها.
العربيات بتنفخ دخان. السواقين بيزعقوا. الميكروباصات بتهز الرصيف. والجراوي ابتدوا يعيطوا بصوت أعلى.
أم محمد بطلت تقطع بطيخ.
الكلبة حاولت تقوم.
قامت نص قومة بس. إيديها الأمامية اترعشت، جسمها مال على جنب، ووقعت تاني فوق البلوفر، نفسها بقى سريع ومقطوع وخايف.
بس رغم كده رفعت راسها.
مش عشان تدور على أكل.
عشان تعد ولادها.
واحد اتنين تلاتة أربعة
أم محمد حست قلبها اتقبض.
عدّت الشارع من غير تفكير. كانت شايلة شمسية قديمة باهتة، وآخر إزازة ميه ساقعة عندها في العربية. واحد ماسح جزم عند المدخل زعقلها ابعدي يا حاجة، الكلاب دي بتعض!
ما ردتش عليه.
قربت منها بالراحة، ونزلت على ركبها.
اهدي يا حبيبتي اهدي
الكلبة فتحت عينيها وبصتلها.
لا كشرت. لا غرّت. لا حاولت تدافع عن نفسها.
بس بصتلها بخوف متعب خوف واحد خلاص ما بقاش فيه طاقة حتى يخاف.
أم محمد فتحت الشمسية فوقهم عشان تعمل ضل بسيط، وبعدها صبت شوية ميه في غطا نضيف.
الكلبة شمت الميه شوية
وفجأة عملت حاجة كسرت قلب أم محمد.
زقّت أضعف جرو ناحية إيدها.
مش ناحية الميه. ولا الأكل.
ناحية الجرو.
وبعدين طلعت ونهة ضعيفة أوي كأنها ما بقتش بتطلب النجدة لنفسها.
بس لولادها.
يا ساتر يا رب همست أم محمد وعينيها دمعت.
شالت الجرو بحرص. كان دافي لكن خفيف لدرجة إنه شبه عضمة ملفوفة بجلد. باقي الجراوي اتحركوا يدوروا على رضاعة، والكلبة حاولت تضمهم تاني حواليها رغم إنها بالعافية قادرة تتحرك.
أم محمد اتصلت بسيد ابن أختها، اللي بيسوق ميكروباص على خط المطرية، وقالتله يجيب كرتونة وفوط بسرعة.
وأثناء ما كانت تجمع الجراوي واحد واحد
لاحظت حاجة غريبة.
الكلبة كانت باصة ناحية البلاعة.
مش ناحية أم محمد. مش ناحية الميه. ولا حتى ناحية الجراوي اللي لازقين فيها.
ناحية
أم محمد سكتت.
في الأول افتكرت الكلبة بتهلوس من التعب.
لكن الكلبة حرّكت راسها بالعافية تاني بإصرار.
وطلعت أنين أقصر وأوجع.
أم محمد قربت من غطا البلاعة الصديان اللي جنب الرصيف.
ركعت على الأرض.
حبست نفسها.
ومن تحت وسط صوت الميكروباصات، وريحة المجاري السخنة، سمعت صوت ضعيف جدًا
صوت جرو بيعيط.
جسمها تلج.
الجراوي ماكانوش أربعة.
كان في واحد ناقص.
أم محمد مدّت إيدها جوه البلاعة وهي حابسة نفسها من الريحة الخانقة.
الصوت كان ضعيف أضعف من إنه يكون عياط جرو حتى.
لكن الأم الكلبة أول ما سمعت الصوت، رفعت راسها بالعافية، وبصّت للبلاعة بنفس النظرة المذبوحة اللي خلت قلب أم محمد يرتجف.
يا نهار أبيض في واحد تحت!
في اللحظة دي وصل سيد بالكرتونة والفوط، نط من الميكروباص وهو بيقول مالك يا خالتي؟!
لكن أول ما قرب وشاف الجرو الصغير بيتحرك جوه البلاعة، وشّه اتغيّر.
البلاعة كانت ضيقة وغرقانة ميه وسخة وطين. واضح إن الجرو وقع فيها من ساعات، ويمكن أكتر. جسمه كان مبلول ومرعوب، وصوته بيطلع بالعافية.
أم محمد نزعت طرحتها بسرعة ولفّتها على إيدها. امسكيني يا سيد.
يا خالتي
الواد بيموت يا ابني!
نزلت بإيدها أكتر،