مترو آخر الليل كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

غير إذني.
تمام.
سليم رجع يبصلي لأن اللي بدأ كزوج بيضرب مراته
سكت لحظة.
ممكن يطلع أكبر بكتير مما تتخيلي.
وفي اللحظة دي بالضبط، نور الفيلا كله فصل مرة واحدة.
والبيت غرق في الضلمة.
الضلمة نزلت على الفيلا فجأة لدرجة إن نفسي وقف.
صوت المطر برا كان عالي، والهدوء اللي ملأ المكان بعد انقطاع النور كان مرعب أكتر من أي صوت.
شهقت وأنا قمت واقفة تلقائيًا.
إيه ده؟!
مراد طلع مسدسه فورًا.
الكهربا ما بتقطعش هنا.
الجملة دي لوحدها خلت الدم يبرد في عروقي.
يعني حد عملها عمد.
سليم ما اتحركش بسرعة، وده كان أغرب شيء. بالعكس هدوءه زاد.
خدها فوق. قالها لمراد.
لا! مسكت طرف جاكيته بعنف. لو سمحت ما تسبنيش.
عينه نزلت على إيدي المرتعشة، وبعدها قال بهدوء تمام. هتفضلي جنبي.
في نفس اللحظة
صوت تكسير جه من الدور الأرضي.
ثم صوت صراخ واحد من الأمن.
وقلبي حرفيًا اتشل.
كريم همست.
لكن سليم هز راسه ببطء لا. كريم أجبن من كده.
مراد قرب من الشباك بحذر وبص لتحت، ووشه شد فجأة دخلوا من الجنينة الخلفية.
كام واحد؟
أربعة يمكن خمسة.
سليم لف ناحيتي بسرعة في أوضة آمنة فوق. هتدخليها حالًا.
هزيت راسي بعنف وأنت؟
هتعامل.
لا دول معاهم سلاح!
بصلي للحظة طويلة، وبعدها قال حاجة غريبة جدًا وأنا طول عمري مستني اليوم اللي حد منهم يغلط ويدخل بيتي.
الكلمة الأخيرة نزلت تقيلة.
منهم.
يعني فعلًا فيه حرب أقدم وأعمق بكتير من كريم.
صوت
ضرب نار دوّى تحت.
صرخت غصب عني، لكن سليم جذبني وراه بسرعة ناحية السلم.
مراد سبقنا وهو ماسك سلاحه.
الدنيا كانت فوضى.
صوت رجالة.
خطوات.
زجاج بيتكسر.
ولأول مرة من سنين حسيت إني مش خايفة لوحدي.
وصلنا للدور اللي فوق، لكن قبل ما ندخل الأوضة الآمنة، صوت جه من تحت
سلييييم!
الصوت كان أجش ومرعب.
سلّم البنت ونمشي بهدوء!
سليم وقف مكانه.
وعينيه اتحولت لحاجة باردة جدًا.
ده عزت؟ سألت بخوف.
مراد رد ابنه.
ابن عزت الشربيني.
سمعت عنه قبل كده.
عمر الشربيني.
الناس كانت بتقول إنه أوسخ من أبوه.
البنت دي شافت حاجة مش بتاعتها! صرخ من تحت. ولو ما نزلتش البيت كله هيتولع!
بدأت أرتجف.
أنا السبب همست بانهيار. أنا السبب في كل ده.
سليم لفلي فورًا، ومسك وشي بين إيديه لأول مرة.
بصيلي.
بصيتله بالعافية.
إنتِ مش السبب. فاهمة؟ السبب هو اللي بيأذي مش اللي اتأذى.
الجملة كسرت آخر جزء متماسك جوايا.
لأني طول عمري كنت بصدق العكس.
وفجأة
افتكرت.
افتكرت الليلة كاملة.
كريم ماكنش لوحده.
كان معاه راجل تاني.
وشه كان واضح جدًا تحت نور المطبخ.
شهقت أنا أعرفه
سليم ركّز فورًا مين؟
الراجل اللي كان مع كريم ليلة المسدس كان هو.
مراد لعن تحت نفسه.
أما سليم فسألني بسرعة متأكدة؟
آه.
وده كان كفاية.
لأن فجأة كل شيء بقى مفهوم.
أنا ماكنتش مجرد زوجة متضربة.
أنا شاهد.
وشاهد شاف حاجة ناس مستعدة تقتل علشان تدفنها.
صوت عمر طلع تاني
آخر مرة هقولها!
وبعدها
ريحة بنزين بدأت تطلع.
صرخت هيولعوا المكان!
مراد اتحرك فورًا ناحية السلم، لكن سليم رفع إيده يوقفه.
ثم بصلي.
الهدوء اللي في عينيه كان مرعب أكتر من الرصاص.
عايزك تدخلي الأوضة وتقفلي الباب مهما سمعتي.
وأنت؟
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا لكنها كانت حزينة بشكل وجعني.
هخلص حاجة كان لازم تخلص من زمان.
قلبي وقع.
سليم
لكنه قرب فجأة، وحط حاجة صغيرة في إيدي.
موبايل.
لو حصلي حاجة فيه تسجيلات وملفات تكفي تدمرهم كلهم. ابعتيها للشرطة وللصحافة.
دموعي نزلت فورًا.
لا تقول كده
صوت انفجار خفيف جه من تحت، والنار بدأت تنور أطراف الشبابيك.
الوقت خلص.
سليم بص لمراد خدها.
مراد شدني بالعافية ناحية الأوضة السرية وأنا بصرخ سيبه! أرجوك!
لكن الباب المدرع اتقفل.
وساعتها
سمعت الجحيم.
ضرب نار.
تكسير.
صراخ.
ونار.
حضنت نفسي وأنا قاعدة على الأرض بعيط بهستيريا.
لحد ما فجأة
كل شيء سكت.
الصمت بعد العنف كان أبشع من العنف نفسه.
ثواني طويلة عدت.
ثم الباب اتفتح.
رفعت راسي بسرعة.
وكان سليم واقف.
هدومه متبهدلة، فيه دم على جبينه، وإيده بتنزف لكنه عايش.
جريت عليه بدون تفكير.
ولأول مرة من سنين، أنا مش خايفة.
، وسمعته بيقول بهدوء خلصت.
هما فين؟
الشرطة جاية.
وكريم؟
سكت ثانية.
هرب لكن مش بعيد.
وفعلًا، بعد ساعات، الدنيا اتقلبت.
الشرطة وصلت.
والملفات اللي كانت على الموبايل كشفت كل شيء.
غسيل أموال.

سلاح.
ابتزاز.
ورشوة.
وعزت الشربيني وابنه اتقبض عليهم بعد يومين.
أما كريم
فاستخبى أسبوع كامل قبل ما يلاقوه في شقة قديمة في أكتوبر.
ولما شفته في المحكمة بعد شهور
ماعرفتش أتعرف عليه.
الغرور اختفى.
والصوت العالي اختفى.
حتى عينيه كانوا مليانين خوف.
فضل يبصلي من بعيد كأنه مستني أضعف.
لكن للمرة الأولى
ما ضعفتش.
القاضي حكم عليه بالسجن الطويل بتهم عنف وشهادة مشاركة مع العصابة.
ولما خرجت من المحكمة، الصحافة كانت مستنية برا.
الميكروفونات والكاميرات في كل مكان.
آنسة ليلى! كلمة واحدة!
إزاي قدرتي تهربي؟
هل سليم المنياوي أنقذك فعلًا؟
بصيت للكاميرات للحظة.
ثم قلت بهدوء
لا.
أنا اللي أنقذت نفسي أول ما بطلت أرجع للشخص اللي كان بيكسرني.
وفي آخر الصفوف كان سليم واقف.
بعيد عن الزحمة.
هادئ كعادته.
ولما عيني جت في عينه، ابتسم نفس الابتسامة الصغيرة اللي شفتها أول مرة في المترو.
بعد سنة
كنت واقفة في شرفة شقتي الجديدة في المعادي.
شقة صغيرة لكنها دافية وآمنة.
بقيت بشتغل في مركز بيساعد الستات المعنفات يهربوا ويبدأوا من جديد.
لأن اللي عشته خلاني أفهم قد إيه النجاة محتاجة حد يصدقك حتى لو إنتِ نفسك ناسية إزاي تصدقي نفسك.
أما سليم
ففضل يدخل حياتي بهدوء زي أول مرة.
من غير ضغط.
من غير سيطرة.
من غير خوف.
وفي ليلة شتوية بعدها بوقت طويل، وإحنا واقفين نشرب قهوة في البلكونة، بصلي وقال
فاكرة أول مرة
شفتك فيها؟
ضحكت بخفة للأسف آه.
أنا فاكر حاجة واحدة بس.
إيه هي؟
بصلي بهدوء عميق وقال
إني من اللحظة دي عرفت إنك تستحقي تعيشي. مش بس تنجي.
ولأول مرة في حياتي
صدقت فعلًا إن دي حقيقة.

تم نسخ الرابط