بين الخناق و الموت كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

الشنطة على كتفها، وريحة العيش والحلويات لسه في هدومها.

ولأول مرة من سنين طويلة…

ماكانتش عايزة تهرب من البيت.

ماكانش عندها استعجال.

ولا غضب.

ولا مرارة.

أوقات… الحياة ما بتكسرناش عشان تضيعنا.

أوقات بتوقع كل حاجة قديمة ومتعبة… عشان تسيب مكان لحاجة جديدة تعيش.

قلعت الكوتشي بهدوء، ودخلت الشقة.

وفي اللحظة دي…

حسّت إن البيت كله أخيرًا أخد نفسه معاها.

بسلام.
في الليلة دي، ماحدش لاحظ إن سارة فضلت واقفة شوية عند باب الصالة، تبص عليهم في صمت.

محمود كان قاعد على الكنبة، ومريم نايمة نص نومة في حضنه، بينما كريم وليلى متكومين جنبه يسمعوا الحكاية. نور الأباجورة الصغير كان مالي المكان دفا هادي، وريحة الشاي بالنعناع طالعة من المطبخ.

مشهد بسيط جدًا…

بس بالنسبة لسارة كان أشبه بمعجزة صغيرة.

دخلت بهدوء، فرفع محمود

عينه أول ما شافها.

ابتسم ابتسامة خفيفة، متعبة، لكنها حقيقية.

— رجعتي؟

— أيوه.

ولأول مرة من سنين… الكلمة خرجت بينهم من غير توتر.

قامت ليلى جري: — ماما! بابا عملنا عشا!

رفعت سارة حاجبها بدهشة وبصت ناحية السفرة.

بيض بالطماطم، جبنة، وطبق بطاطس محمرة متقطعة بشكل عشوائي كأن حد بيتعلم يطبخ لأول مرة.

ضحكت ليلى: — البطاطس اتحرقت شوية بس طعمها حلو!

محمود حكّ رقبته بإحراج: — كنت بحاول أساعد يعني.

سارة بصتله ثواني طويلة.

قد إيه الزمن يقدر يغيّر بني آدم؟

ولا يمكن الإنسان ما بيتغيرش فعلًا… بس ساعات الحياة بتخبطه جامد لدرجة تصحيه؟

قعدوا ياكلوا سوا.

مفيش صوت تلفزيون عالي.

مفيش خناقة.

مفيش حد بيكتم ضيقه.

حتى كريم، اللي كان دايمًا بياكل بسرعة ويجري على أوضته، فضل قاعد يحكي عن المدرسة.

وفي نص الكلام، سأل فجأة:

— بابا… هو أنت هتتعب تاني؟

الصمت نزل للحظة.

سارة قلبها انقبض.

لكن محمود مد إيده وربت على شعر ابنه: — لأ يا حبيبي… إن شاء الله لأ.

— الدكتور قالك كده؟

ابتسم محمود بحزن خفيف: — الدكتور قالي أهدى شوية… وأفهم إن الإنسان مش ماكينة.

سارة نزلت عينها في طبقها.

الجملة خبطتها جواها بشكل غريب.

لأنها هي كمان… كانت عايشة كأنها ماكينة.

شغل… طلبات… مسئوليات… جري طول الوقت.

وفجأة اكتشفت إنها نسيت نفسها هي كمان.

بعد ما العيال ناموا، كانت واقفة في المطبخ بتغسل الأطباق، لما حسّت بمحمود واقف وراها.

اتوترت تلقائيًا، كأن جسمها متعود يستنى كلمة حادة أو انتقاد.

لكن صوته جه هادي: — سيبيهم… أنا هغسل.

لفّت تبصله بعدم تصديق: — إيه؟

— هغسل الأطباق يا سارة… عادي يعني.

فضلت ساكتة لحظة، وبعدين قالت بنبرة خافتة: — أنت عمرك ما

دخلت المطبخ قبل كده.

اتنهد محمود وبص بعيد: — عارف.

الصمت وقف بينهم تاني… لكن المرة دي ماكانش خانق.

كان صمت مليان كلام متأخر.

قال فجأة: — أنا ظلمتك كتير.

إيد سارة وقفت في الهوا.

كملت وهو صوته مكسور: — كنت فاكر إني بتعب أكتر منك… وإن وجودي لوحده كفاية. ماخدتش بالي إنك شايلة البيت كله فوق ضهرك.

بلعت ريقها بصعوبة.

سنين كاملة كانت نفسها تسمع جملة زي دي.

لكن لما سمعتها… ماعرفتش ترد.

دموعها نزلت بهدوء، من غير صوت.

محمود قرب بحذر، كأنه خايف ترفضه.

— سارة… أنا خفت أوي الليلة دي. أول مرة أحس إني ممكن أمشي… وأسيبكم. واكتشفت إن عمري ما عشت فعلًا معاكم.

غطت وشها بإيديها وهي بتعيط.

مش بعياط الغضب…

بعياط التعب القديم اللي أخيرًا لقى طريقه للخروج.

وفي المطبخ الصغير، وسط صوت الميه وريحة الصابون، وقفوا قدام بعض

كأنهم بيتعرفوا لأول مرة.

مش كزوجين أكلتهم المسئوليات…

لكن كبني آدمين مرهقين، بيحاولوا ينقذوا اللي فاضل من روحهم قبل ما تضيع تمامًا.

تم نسخ الرابط