بين الخناق و الموت كاملة بقلم انجي الخطيب
— اخرسي بقى وبطّلي صريخ! جعانة؟ أهو كلتي! — صرخ محمود بعصبية، من غير ما يعرف إن بعد خمس دقايق بس، حياته اللي كان فاكرها ثابتة هتتقلب فوق دماغه فجأة وبشكل مرعب.
ريحة المكرونة بالبشاميل والثوم كانت مالية الشقة بدفا خفيف. كريم، الابن الكبير اللي عنده عشر سنين، كان قاعد على سفرة الصالة محلول في كراسة الحساب، بيحل الواجب وهو مركز. جنبه أخته ليلى، ماسكة الألوان الخشب وسرحانة في رسمة جديدة، ولسانها ظاهر سنة صغيرة من شدة التركيز. أما الصغيرة مريم، بشعرها الأحمر الخفيف، فكانت نايمة في سريرها الصغير، الغطا متكركب حواليها ووشها مدفون في المخدة.
الشقة كانت غرقانة في الروتين المعتاد بتاع آخر اليوم… تعب، هدوء تقيل، وإحساس خانق شبه الهوا بعد الشتا.
— بابا جه؟ — همست سارة وهي داخلة من باب الشقة بالراحة.
— أيوه، — رد كريم من غير ما يرفع عينه. — قاعد قدام التلفزيون.
قلعت سارة الكوتشي بهدوء عشان ما تصحيش مريم، ودخلت المطبخ. حطت الأكياس على الترابيزة وبدأت تطلع الحاجة واحدة واحدة: دقيق، بيض، جبنة قريش، زبدة، سكر… كلها مكونات للشغل الصغير اللي بدأت فيه من البيت، مشروع الحلويات اللي بقى معروف شوية وسط الناس.
بعد عشر دقايق، ظهر محمود عند باب المطبخ. شعره منكوش، وشه مرهق، لابس تيشيرت رمادي باهت ودقنه طالعة بقالها يومين.
— إزيكِ، — قال بصوت واطي. — اتأخرتي ليه؟
— كان عندي طلبيتين بعد الشغل، — ردت سارة وهي بتفرك رقبتها من التعب. — واحدة في شارع العشرين والتانية عند السوق… والزحمة كانت واقفة الدنيا.
— آه. تمام.
فتح
فضلت سارة باصة له كام ثانية. إيديها بتتحرك لوحدها من كتر العادة: العسل فوق الرف، الدقيق تحت، الزبدة جوه التلاجة. من زمان بطّلت تستنى منه يسألها: "عاملة إيه؟" أو حتى "أساعدك؟". الصمت بقى ساكن معاهم في البيت أكتر من الكلام نفسه.
بعد ما العيال ناموا، قعدت سارة على السفرة وفتحت كشكول الطلبات. سبع أوردرات لبكرة… سبعة!
لازم تصحى الساعة أربعة الفجر، تعجن خمسة، تدخل أول صينية الفرن على ستة. بعدها تجهيز العيال، الحضانة، المدرسة، التوصيل… وبعدين ترجع تكمل شغل في المطبخ.
نفس اليوم بيتكرر كل مرة، كأنها محبوسة جواه.
— محمود… — نادته بهدوء.
— نعم؟ — رد وهو مركز مع التلفزيون.
— ممكن تعدّي تجيب مريم من الحضانة بكرة؟ عندي تلات توصيلات بعد الشغل.
— ماينفعش. داخل الشيفت الساعة اتنين.
عضّت سارة على شفايفها. كان نفسها تقول أي حاجة… تعيط، تتخانق، حتى تصرخ. لكن الكلام وقف في زورها. صوت التلفزيون علي أكتر، ضحك الناس اللي فيه كان مستفز بشكل غريب.
اتلفتت للشاشة لحظة… الناس اللي في الإعلان شكلهم سعداء أوي. وهي؟ هي بقت حاسة إنها بس موجودة وخلاص.
الليل نزل تقيل على البيت.
الساعة كانت داخلة على اتنين الفجر ولسه سارة قاعدة في المطبخ بتكتب عناوين الطلبات. نور اللمبة الصفراء عامل ضلال طويلة على الحيطة. عينيها كانت بتقفل من النعاس، وفجأة سمعت صوت خبطة مكتومة… كأن كوباية وقعت.
الصوت جاي من الصالة.
جسمها اتشد كله، وقلبها دق
— محمود؟ — نادته وهي بتبص من باب الصالة.
كان مرمي على الأرض، نايم على جنبه، وشه لتحت.
الكوباية واقعة بعيد عنه شوية… والزبادي سايح فوق السجادة.
والصمت… كان مرعب.
يتبع
— محمود! — صرخت سارة وهي بترمي نفسها جنبه على الأرض. — محمود! سامعني؟!
إيديها كانت بتترعش وهي بتحاول تلمس وشه ورقبته. النبض موجود… ضعيف، متلخبط، بالكاد بيتحس.
ماكانش عندها وقت تفكر أو حتى تخاف بالشكل الطبيعي… هي بس اتحركت بغريزة واحدة.
مسكت الموبايل بسرعة واتصلت بالإسعاف، صوتها بيتهز وهي بتدي العنوان، وبعدها بصت ناحية أوضة العيال. كانوا كلهم نايمين… ولا كأن حاجة حصلت.
رجعت جري عليه تاني.
قعدت على الأرض جنبه، تراقب صدره وهو بيطلع وينزل بصعوبة. أفكار كتير كانت بتخبط في دماغها: الضغط… التعب… القلب… ولا يمكن العمر لما بيضيق على حد بيفاجئه مرة واحدة؟
كل السنين اللي فاتت، بكل تعبها وسكوتها ووجعها، حسّت إنها انفجرت في اللحظة دي.
لما الإسعاف وصلت، اضطرت تبعد.
المسعفين شالوه بسرعة وسط أصوات الأجهزة وكلام متقطع: — جلطة… — الحالة حرجة… — بسرعة يا جماعة…
حتى وشوش الدكاترة ما افتكرتهمش بعد كده. اللي فضل جواها بس كان صوت السرينة… نور العربية الأحمر اللي مالي الشارع… والبرد الغريب اللي غطّى الشقة بعد ما خرجوا.
على الترابيزة، الزبادي المسكوب سايب بقعة بيضا على السجادة… بقعة مهما حاولت تنظفها، فضل أثرها موجود.
قعدت سارة قدامها ساكتة.
لا كانت خايفة… ولا غاضبة.
بس كان عندها إحساس غريب إن في حد لازم يفوق.
الأيام
محمود اتحجز في المستشفى، وسارة فضلت تصحى أربعة الفجر كعادتها، تشتغل، تخلّص الطلبات، تلف على الزباين، وترجع البيت في صمت.
الجيران كانوا يهمسوا: — ربنا يقومه بالسلامة… — لو محتاجة حاجة إحنا جنبك…
لكنها ماكنتش بتطلب حاجة من حد.
هما أصلًا يعرفوا إيه؟
حتى هي نفسها ماكنتش فاهمة اللي جواها.
في اليوم التالت، بعد ما خلصت شغلها، جالها اتصال من المستشفى.
صوت الدكتور كان ناشف وبارد زي طراقة المستشفيات: — الحالة مستقرة دلوقتي… بس محتاج راحة وهدوء. وسأل عليكِ.
غمضت سارة عينيها.
يمكن لأول مرة من سنين تحس بحاجة شبه الراحة…
أو يمكن الذنب.
ذنب خفيف… لازق في القلب زي الشوك.
بعد أسبوع، رجع محمود البيت.
وشه شاحب، جسمه خاسس، وصوته واطي.
ما بقاش يشغل التلفزيون بالساعات، ولا يزعق، ولا يرمي كلام ساخر زي زمان.
كان بس يقعد جنب الشباك ساكت.
العيال كانوا مستغربين التغيير، لكن الغريب إن البيت نفسه بدأ يهدى… كأن الهوا بقى أخف.
— عامل إيه دلوقتي؟ — سألت سارة بهدوء وهي بتحطله كباية شاي.
رفع عينه وبصلها.
لأول مرة من زمان، ماكانش في عصبية في نظرته.
كان في تعب… وامتنان.
— شكرًا إنك ما اتوترتيش الليلة دي، — قال بصوت مبحوح.
هزّت سارة راسها من غير ما تعرف ترد.
حسّت إن في مسافة جديدة اتفتحت بينهم… مساحة فاضية ممكن تتملي بحاجة تانية غير الخناق والعتاب.
يمكن أمل.
عدّت كام أسبوع كمان.
وفي ليلة، كانت سارة راجعة مرهقة كعادتها، ولسه هتفتح الباب… سمعت صوت محمود من جوه.
كان بيحكيلهم حكاية.
صوته واطي وخشن شوية، لكنه دافي.
مريم كانت بتضحك بصوت عالي، وكريم بيصححله تفاصيل القصة، وليلى قاعدة ترغي بحماس.
وقفت سارة لحظة قدام الباب.