سـر المدفـون كاملة بقلم انجي الخطيب
أو ترميه. سلمته لعيلة طيبة في الصعيد، ربوه وكبروه.. وهو دلوقتي مهندس قد الدنيا، ومتجوز وعنده عيال، وأنا معايا عنوانه.
مستنيتش دقيقة واحدة. لبست هدومي ونزلت من اللوكاندة وكأني بنت عشرين سنة، مكنتش شايفة قدامي غير طريق واحد.. بيت الحاجة كريمة في مصر الجديدة.
دخلت عليها البيت من غير ما أخبط. كانت قاعدة على سجادة الصلاة وبإيدها سبحة.
أول ما شافتني ووشي أصفر وعيني فيها شرار، اتخضت وقامت مالك يا وفاء يا حبيبتي؟ في إيه؟
رميت الصور والحلق القديم في وشها.
السبحة وقعت من إيدها، والدم هرب من ملامحها تماماً. عرفت إن كدبة أربعين سنة اتهدت في ثانية.
قربت منها ومسكتها من رقبتها بكل قوة كانت فاضلة في جسمي أربعين سنة يا كريمة؟ أربعين سنة بتأكليني من لقمكتك وبتطبطبي على قفايا وإنتي سارقة ضنايا؟ عشان تحمي عجز أخوكي؟
وقعت على ركبها وهي بتعيط وتترعش إسماعيل كان هيقتل نفسه..
بصيت لها بقرف وقولت لها المسامحة دي عند ربنا.. أما أنا، ف حسابي معاكي ومع اسم أخوكي اللي مات هيبدأ من النهاردة. البلد كلها هتعرف إن إسماعيل رفعت المحترم وأخته التقية.. كانوا خطافين عيال ومجرمين.
الحياة تبدأ من جديد
مروحتش القسم، ومرفعتش قضايا.. الفضيحة وسط الناس في منطقتنا كانت أشد من السجن مية مرة. العيلة كلها اتهدت، وبنتي مروة لما عرفت الحقيقة، قاطعت عمتها، ولأول مرة أشوف في عين بنتي نظرة ندم على كل يوم عاملتني فيه بجفاء.
تاني يوم الصبح، كنت في السوبر جيت مسافرة على طنطا.. العنوان كان هناك.
وصلت قدام عمارة سكنية هادية، طلعت الدور الثالث، وإيدي على قلبي.. حاسة إن روحي هتطلع مني.
خبطت على الباب.
ثواني والباب اتفتح.. ظهر ورا الباب شاب طويل، عريض المنكبين، أسمراني وعنده غمازة في خده الشمال.. نفس غمازة إسماعيل،
اسمه أحمد.. مهندس ديكور.
بصلي باستغراب وابتسامة مهذبة أفندم؟ أي خدمة يا حاجة؟
كلمة يا حاجة طلعت منه هزت كياني. مكنتش قادرة أنطق.. دموعي نزلت شلالات.
أحمد اتخض وقرب مني مالك يا أمي؟ إنتي تعبانة؟ اتفضلي ادخلي طيب استريحي.
دخلت الصالة، وقعدت، وهو جابلي كوباية مية وهو قلقان. بصيت حواليا، لقيت صورته وهو صغير على الحيطة.. نفس الملامح اللي كنت بحلم بيها في كوابيسي.
طلعت فردة الحلق التانية اللي فضلت معايا طول السنين دي، وحطيتها قدامه على الترابيزة، وطلعت الصورة التانية اللي سابها عادل.. صورة الطفل الملفوف في الكافولة الزرقا والحلق مشبك فيها.
أحمد أول ما شاف الصورة ملامحه اتصلبت.. وبصلي بذهول الصورة دي.. دي صورتي وأنا لسه مولود.. أمي الله يرحمها كانت دايماً مخبياها ومورتهاليش غير وهي بتموت، وقالتلي إنها مش أمي الحقيقية.. إنتي.. إنتي مين؟
قمت
وقلتله بصوت مخنوق من العياط والفرحة أنا وفاء.. أنا أمك يا أحمد.. الأم اللي فهموها إنك مت ودفنتك في صندوق فاضي.
أحمد رمى المية من إيده، وبص في عيني.. وشاف الشبه، شاف الوجع، وشاف السنين اللي ضاعت. وفي لحظة، انهار الراجل الطويل العريض ده، وارتمى في حضني.. حضن عشنا أربعين سنة محرومين منه.
النهاية
الحكاية مخلصتش بمحاكم.. خلصت بإن ربنا رجع الحق لأصحابه.
أحمد جاب عياله ومراته وجالي بيهم لحد بيتي، ومروة بنتي لمت شملها مع أخوها، والبيت اللي كان بارد وزي القبر، بقى مليان بصوت ضحك أحفادي.
أما إسماعيل وكريمة؟ ف سيرتهم بقت على كل لسان في المنطقة، وعيالهم سابوا البيت من الخزي.
أنا دلوقتي
عندي خمسة وستين سنة.. ومبقتش وفاء الأرملة الحزينة.. أنا دلوقتي أمو أحمد، والنهاردة بس.