مأساة كاملة بقلم انجي الخطيب
لقيت بنت أختي مرمية قدّام المستشفى كأن حد رماها في الشارع بعد ما خلّص منها.
حافية.
بتترعش.
ولابسة لسه قميص المستشفى الملطخ، وضامة ابنها الرضيع على صدرها، والهوا السقعة بتاع يناير بيقطع فيها زي السكينة.
كنت رايح مستشفى السلام الدولي في القاهرة، شايل بوكيه ورد كبير، وبطانية بيبي لونها أزرق، وكار سيت كنت شاريه الصبح مخصوص.
بنت أختي، ليلى، كانت لسه والدة، وكنت عايز أشوف فرحتها، وأحضنها، وأقولها إن ابنها عمره ما هيحس بالوحدة اللي هي عاشتها بعد ما فقدت أبوها وأمها.
بس مكنش فيه أي فرحة مستنياني.
كان فيه ليلى
مكورة نفسها جنب باب الطوارئ، رجليها الحافية لازقة في الأرض الساقعة، شعرها ملزق في وشها، وشفايفها لونها بيقلب للأزرق.
والطفل ملفوف في بطانية مستشفى خفيفة، ومستخبي في حضنها كأنها خايفة حد يخطفه منها.
ليلى!
جريت عليها وأنا مصدوم.
إيه اللي حصل؟!
بصتلي أول ما عرفتني.
بس ماعيطتش.
وده خوّفني أكتر من أي عياط.
عينيها كانوا ناشفين واسعين وفاضيين بشكل يخوّف، كأنها شافت حاجة عمرها ما هتقدر تنساها.
قلعت الجاكيت بتاعي ولفيته حواليها، وساعدتها تركب العربية، وغطيّت رجليها بالإيشارب، وعلّيت التدفئة للآخر، وبعدها بصيت للبيبي.
كان بيتنفس.
نايم.
ولا داري إن القسوة كانت مستنياه من أول لحظة نزل فيها الدنيا.
يا خالو سامح
قالتها بصوت مكسور بالكاد طالع.
بالله
عند مين؟!
سألتها وأنا حاسس إن قلبي بيغلي.
فين كريم؟
طلعت موبايلها بإيد بتترعش وادتّهولي.
كانت رسالة من جوزها.
الشقة مبقتش بتاعتك. أمي غيرت الكالون. حاجتك مرمية تحت. ومتعمليش مشاكل، عشان لو فكرتي تطلبي نفقة أو حضانة هثبت إنك مش مؤهلة تربي طفل.
فضلت ثواني ساكت.
ولا سامع غير صوت التدفئة جوه العربية.
بعدها حسّيت الدم طلع لوشي.
يعني إيه الشقة مش بتاعتك؟!
مع إني كنت فاهم الإجابة.
الشقة دي ماكنتش بتاعة كريم.
ولا أمه.
دي كانت شقة ليلى.
أنا اللي كنت شاريهالها يوم ما تمت أربعة وعشرين سنة.
باسمها هي.
أمانها.
ومكان وعدتها إن محدش يقدر يطردها منه طول ما أنا عايش.
بدأت تحكي وهي متقطعة من التعب.
كريم كان المفروض يروح ياخدها من المستشفى الضهر.
بس بعتلها رسالة إن الشغل عطّله، وإنه طلبلها أوبر.
كانت لسه تعبانة من الولادة، مخيطة، دايخة، وشايلة طفل لسه مولود ورجعت البيت فاكرة إن سريرها مستنيها.
لكن اللي شافته كان أكياس زبالة سودا مرمية تحت العمارة.
هدومها.
صور أهلها.
هدوم البيبي اللي كانت غسلاها ومرتباها بإيديها.
ورقها.
وحتى السلسلة الصغيرة اللي أمها سابتهالها قبل ما تموت كانت مرمية في التراب.
واحدة من الجيران نزلت جري عليها، وغطّتها ببلوفر، وقالتلها اللي حصل.
حماتها، نجوى، كانت جاية ومعاها راجلين، وبتزعق قدام العمارة إن ليلى
قولتلهم الشقة باسمي
قالتها ليلى وهي ضامة ابنها أكتر.
حماتي ضحكت وقالت إني مضيت تنازل.
قبضت على الدركسيون لدرجة إن صوابعي وجعتني.
ما روحتش أتكسر أبواب.
لسه.
طلعت موبايلي واتصلت برقم ماستخدمتوش من سنين.
أستاذ مدحت معاك سامح الدمنهوري.
أنا محتاجك النهارده حالًا.
بصّتلي ليلى والبيبي نايم في حضنها.
هتعمل إيه يا خالو؟
بصيت على المستشفى وعلى الشارع البرد وعلى قميص المستشفى اللي لسه عليه ريحة الولادة والخذلان.
وقلت بهدوء
هعلّمهم درس كان لازم يعرفوه قبل ما يمدوا إيديهم على أهلي.
وساعتها بس فهمت
إن دي مش مجرد خناقة جواز.
دي كانت خطة.
خطة وسخة ومتجهزة من زمان.
ليلى ماكنتش مجرد بنت أختي.
دي كانت أقرب حاجة للبنت اللي ربنا ما رزقنيش بيها.
بعد ما أبوها وأمها ماتوا في حادثة على طريق السويس، كان عندها خمستاشر سنة، وخايفة تبقى حمل على حد.
خدتها عندي، دخلتها الجامعة، علمتها السواقة، وشوفتها وهي بتحاول تعيش رغم الفقد.
ولما اتجوزت كريم، عملت اللي افتكرته هيحميها.
كتبت الشقة باسمها.
ومن أول يوم حماتها نجوى كانت كارهة ده.
فاكر أول عزومة جم عندي.
نجوى رفعت كباية العصير وقالت بابتسامة صفرا
في بنات حظها حلو قوي تدخل الجواز وشقتها جاهزة.
كريم سكت كأنه ماسمعش.
ليلى بصت في طبقها.
لكن أنا سمعت.
والمفروض كنت أفهم التحذير من وقتها.
في
يجيب ورد.
يتكلم بهدوء.
يناديها يا ملكتي.
ويتصرف كأنه أنقذها من الوحدة.
بس واحدة واحدة بدأ يقفل الدنيا حواليها.
مرة يقولها إني متدخل زيادة.
مرة يقول أصحابها بيملوا دماغها.
وبعدين يقول الست المحترمة ماتطلعش أسرار بيتها لحد.
ولما حملت السيطرة بقت أهدى وأخطر.
يراجع مصاريفها.
يسألها عن الباسوردات.
يتعصب لو اتأخرت في الرد.
وكل ما تحاول تدافع عن نفسها، حماتها تدخل بنفس الجملة السمّ
إنتِ هرموناتك تعباكي بس يا حبيبتي ما تكبريش المواضيع.
في الليلة دي، الأستاذ مدحت جه البيت.
ليلى كانت نايمة في أوضتي تحت البطاطين، والبيبي كشف عليه دكتور أطفال وممرضة قاعدة جنبها.
وإحنا بنراجع الورق، سأل السؤال اللي قلب الدنيا.
يا ليلى مضيتي على أي ورق وإنتِ حامل؟ أو في المستشفى؟
وشها شحب فجأة.
افتكرت.
قبل الولادة بيومين، أخو كريم، وليد، راحلها المستشفى بملف ورق.
وكان شغال في مكتب توثيق وعارف يدخل ويخرج أي حاجة.
قالها إن الورق خاص بتسجيل البيبي وإجراءات تأمين ومستندات للعيلة.
كانت وقتها بتتألم.
متعلقة بالمحاليل.
ومش مركزة.
مضت في كل مكان قالولها عليه.
الأستاذ مدحت غمّض عينيه وقال
أهو ده الفخ.
ومن تاني يوم بدأنا نجمع الأدلة.
مش بخناق.
ولا تهديد.
بكاميرات وتواريخ وشهود ونسخ رسمية.
محققة خاصة اسمها داليا جابت تسجيلات كاميرات العمارة.
نجوى
كأنها مش ست لسه والدة.