الزوج العالة كاملة بقلم انجي الخطيب
—إنتِ ازاي تعملي كده؟ أمي هتعيش منين بعد ما قطعتي الفلوس؟! —انفجر أول ما دخل الشقة.
وتاني يوم كانوا بياخدوه بالكلابشات.
—ممكن أفهم إيه اللي حصل المرة دي؟ —رماه كريم بكارت البنك على السفرة، فخبط في طرفها واتزحلق تحت كرسي المطبخ—. كنت واقف في الهايبر، العربية مليانة، والكاشيرة باصة لي، والناس مستنية ورايا، وفجأة تقول لي: "العملية اترفضت". يعني إيه الكلام ده؟
—يعني السيرك قفل والمهرجين اتسابوا لوحدهم —ردّت نادين بهدوء وهي مكملة شغلها على اللاب—. قفلت وصولك لحسابي.
—قفلتِه إزاي يعني؟ إنتِ اتجننتي؟! أجيب أكل إزاي؟ وأدوية أمي؟ والبنزين؟ إنتِ بتفكري في إيه؟
—بفكر في نفسي… لأول مرة من سنتين. وبصراحة، الإحساس طلع مريح جدًا.
—إنتِ بتستهزئي بيا؟ —شد الكرسي وقعد بعنف—. إنتِ بتعذبيني عمد! أنا مش عاطل بمزاجي! أنا بدور على فرصة مناسبة، وبفكر أبدأ مشروع خاص، مش هروح أشتغل أي شغلانة تعبانة بمرتب يكسر الواحد!
—آه… مشروعك العظيم؟ —بصتله نادين—. مرة كافيه، مرة بودكاست، مرة قناة عن "الطاقة الذكورية". إنت مش بتدور على نفسك… إنت بتدور على حد يصرف عليك.
—بدأنا بقى! —رفع إيده بعصبية—. طريقتك دي بتخليني أحس إني ولا حاجة!
—الولا حاجة على الأقل بيتشال من البيت كل يوم… إنما إنت حتى الفايدة دي ماطلعتش منك.
—ما تتجاوزيش.
—أكذب يعني؟ ولا أقول إن فلوس "علاج والدتك" كانت بتتحول لعِدد صيد جديدة وخروجات قهاوي؟ أنا بقالي سنتين شايلة البيت، وبسد ديونك، وإنت قاعد تتفلسف عن الحياة.
—إنتِ خالطة الدنيا ببعضها! —زعق وهو مشاور بصباعه—. وبعدين إنتِ مراتي، المفروض تسنديني. دي أصول الجواز. النهارده أنا واقع، بكرة يمكن تبقي إنتِ.
—لا يا كريم… إنت مش واقع. إنت مرتاح كده. وده خلاص انتهى.
—وأمي؟ —قرب منها—. عندها ضغط ومعاشها على قدها. أنا اللي واقف
—لا، اللي كانت واقفة جنبها أنا… عن طريقك إنت. إنت بس كنت عامل فيها الابن الجدع بفلوسي.
—أمي عمرها ما غلطت فيكِ!
—آه، كانت بس كل زيارة تسألني إمتى "أعقل" وأبطل لعب شغل الستات، وتقولي أسجل الشقة باسمك عشان "الراجل لازم يبقى ضهر". ضهر قوي فعلًا.
—نادين… كفاية.
—أنا تعبت. خلاص.
—يعني أروح أشتغل أمن؟ مندوب؟ سواق؟ عشان تبصيلي من فوق؟
—أنا عايزة راجل سليم يصرف على نفسه… من غير خطب حزينة.
—كنت عارف… بالنسبة لك الحياة كلها أرقام وإكسيل وحسابات.
—لأ. بس زهقت أبقى ماكينة ATM بالنسبة لك.
جزّ على سنانه وخطف موبايله.
—تمام… هكلم أمي حالًا، وهي هتعرف تحطك عند حدك.
—كلمها —ابتسمت نادين—. نشوف النهارده هنلعب أنهي عرض… "المظلومية" ولا "محكمة العيلة"؟
بعد ساعة، باب الشقة اتفتح بعنف لدرجة إن الترابيزة اتهزت.
—يا نادين! —دخلت أم كريم، الحاجة سامية، وهي لسه بالعباية والحذاء—. إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟ إنتِ كسرتي ابني!
—أنا بس بطلت أمول المسرحية.
—الزوجة المحترمة تسند جوزها، مش تذله!
—سندته سنتين وشهر… تحبي أقولك التواريخ كمان؟
—الست الأصيلة ما بتحسبهاش كده! الراجل هو سند البيت، وإنتِ بتكسريه! ابني حساس وعنده ظروف.
—اللي عنده فعلًا هو قدرة رهيبة يعيش على قفا غيره.
—إوعي تتكلمي عنه كده! —صاح كريم—. شايفة يا أمي؟ شايفة قلة احترامها؟
—شايفة —قالت سامية وهي ضاغطة على شفايفها—. عشان معاكي فلوس فاكرة إنك تقدري تدوسي علينا؟ من غير عيلة تسنديها إنتِ إيه؟
—الكلام ده شبه تهديد —قالت نادين بهدوء—. بس لسه ما دخلش في الصريح.
—كل حاجة في الجواز من حق الطرفين! —زعقت سامية—. والقانون هيعرف يربيكِ!
قامت نادين، وفتحت الدولاب، وطلعت ملف شفاف.
—دي أوراق الشقة… متسجلة باسمي قبل الجواز. وده السجل التجاري للشركة. ودي التحويلات
—يعني ابني طلع ولا حاجة؟ —صوت سامية اتهز.
—في ممتلكاتي؟ آه.
إنما في مصاريفي؟ كان أهم بند.
—وإيه بقى؟ —ضيّق كريم عينيه—. هتطرديني؟
—خدت القرار فعلًا. بكرة هرفع قضية خلع.
—عشان الفلوس؟ بجد؟
—عشان الكدب، والاستغلال، والتعود على عيشة مش بتاعتك.
—هتندمي…
—ممكن. بس على الأقل هبقى ندمانة وأنا مرتاحة.
—يلا يا كريم —قالت سامية وهي بتشد شنطته—. إحنا ما نقعدش في مكان ما فيهوش احترام.
—وأنا أصلًا مش طايق أقعد هنا! —قالها بغضب ملك مخلوع، وخرج خابط الباب وراه.
فضلت نادين واقفة قدام الشباك وقت طويل، لحد ما شاشة اللاب نورت بإشعار:
"محاولة تسجيل دخول من جهاز جديد."
بعدها بثواني ظهر طلب تحويل بنكي متجه لـ:
سامية عبدالسلام.
أغمضت نادين عينيها وهمست:
—يا ابن الـ...
ومسكت الموبايل بسرعة.
—ألو؟ خدمة العملاء؟ معايا نادين الشاذلي… محتاجة أقفل الحسابات حالًا. في محاولة دخول غير مصرح بيها على حساب الشركة… بسرعة لو سمحتوا.
صوت الموظفة جه هادي ورسمي:
—تمام يا فندم، ثواني واحدة… إحنا شايفين بالفعل محاولة تحويل بمبلغ مية وتمانين ألف جنيه. التحويل لسه متعلّق، هنوقفه فورًا.
نادين سندت إيديها على الرخامة وأغمضت عينيها للحظة.
—اعملوا بلوك لأي جهاز جديد… وغيروا كل وسائل التحقق.
—تم يا فندم. تحبي نفتح بلاغ رسمي؟
بصت ناحية الباب المقفول، ولسه صوت خناق كريم وأمه مرنّن في ودنها.
—آه… افتحوا بلاغ.
قفلت المكالمة، ولسه نفسها تقيل، لكن لأول مرة من شهور حست إن فيه جزء صغير من الفوضى اتقفل.
لكن هدوء الشقة ما طولش.
الموبايل رن.
"حماتي".
ضحكت بسخرية وهي بترد:
—خير يا حاجة سامية؟ نسيتوا حاجة؟
—إنتِ بلغتي البنك؟! —جالها صوتها حاد ومخنوق—. إنتِ عايزة تدبسي ابني في قضية سرقة؟
—هو اللي حاول يدخل على حساب مش بتاعه.
—ده جوزك!
—قريب هيبقى طليقي.
—إنتِ شيطانة… أقسم بالله شيطانة! ابني عمره ما كان ناقصه حاجة قبل ما يعرفك!
—بالعكس… بعد ما عرفني بقى عنده موبايل جديد، عربية، وكروت بنزين. واضح إن المعرفة كانت مفيدة جدًا.
—إنتِ فاكرة الفلوس هتنفعك؟ بكرة لما تكبري وتقعدي لوحدك هتعرفي قيمة الراجل!
نادين سكتت ثواني، وبعدين قالت بهدوء وجع:
—الراجل الحقيقي عمره ما كان حمل على حد.
وقبل ما سامية ترد، قفلت السكة.
في نفس اللحظة تقريبًا، جالها إشعار جديد.
رسالة من كريم.
"إنتِ لعبتي بالنار يا نادين."
بصت للرسالة شوية، وبعدها عملت Screenshot وبعتها للمحامي بتاعها من غير كلمة.
بعد نص ساعة، كان المحامي قاعد قدامها في الصالون، راجل خمسيني هادي اسمه أستاذ مدحت، لابس نضارة رفيعة وبيقلب في الورق قدامه.
—بصي يا أستاذة نادين، محاولة الدخول للحساب من غير إذنك بعد الانفصال الفعلي موقفها مش لطيف خالص… خصوصًا إن الحساب شركة.
—يعني؟
—يعني لو أخد خطوة زيادة، الموضوع ممكن يتحول لجناية إلكترونية.
في اللحظة دي، وش نادين اتحرك لأول مرة بقلق حقيقي.
—أنا ماكنتش عايزة أسجنه.
—بس هو مستعد يأذيكِ.
سكتت.
الكلمة نزلت عليها أتقل من المتوقع.
لأنها رغم كل حاجة… كانت لسه فاكرة أول سنة جواز. لما كان بيجيب لها قهوة الصبح، ويستناها تحت الشركة، ويحلف إنه هيفتح مشروع ويخليها "ملكة".
إمتى اتحول لكل ده؟
وإمتى هي سمحت له؟
قطع تفكيرها رنة عنيفة على الباب.
أستاذ مدحت رفع عينه:
—متوقعة حد؟
هزت راسها بالنفي.
الباب خبط تاني، أقوى.
قامت نادين بحذر وبصت من العين السحرية…
واتجمد الدم في عروقها.
كريم واقف برّه…
وشه محمر، وعينيه زايغة، ومعاه اتنين أصحابها عمرها ما ارتاحت لهم.
وأول ما حس إنها واقفة ورا الباب، صرخ بصوت عالي:
—افتحي
قسماً بالله لو ما فتحتي… هكسّر الباب فوق دماغك!
نادين رجعت خطوة لورا، وقلبها بدأ يخبط بعنف.
أستاذ مدحت قام فورًا من مكانه، وقفل الملف بهدوء وهو بيقول:
—ما تفتحيش.
الخبط زاد أقوى.