الرحيل القاسي كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

وشه اتكسر، وعينيه لمعت بدموع حاول يمنعها سنين.

إيمان بصّتله بحزن.
أول مرة تشوفه بالشكل ده… مش ابن بيزعق لأمه، لكن طفل كبير اتصدم إن أكتر حد وثق فيه خان بيته.

البيبي كان لسه بيعيط، وصوته الصغير مالي الشقة الخانقة.

هبة اتحركت بسرعة تجمع الأكياس.

— أنا همشي دلوقتي… وهبعت العربية بالحاجات.

جابر أشار ناحية الباب من غير ما يبصلها:

— نص ساعة… وكل حاجة ترجع مكانها. ولو قطعة واحدة ناقصة، هبلغ الشرطة.

هبة شهقت:

— شرطة إيه يا جابر؟! إحنا أهل!

جابر ضحك ضحكة باهتة كلها وجع.

— اللي يسرق طفل يبقى إيه غير حرامي؟

أمينة قامت فجأة ومسكت دراع ابنها.

— ماتفضحناش يا ابني… الناس هتشمت فينا.

سحب إيده بهدوء، لكن المرة دي كان فيه مسافة عمر كامل بينهم.

— وإنتِ لما كنتِ بتبيعي حاجات ابني على الإنترنت… ما فكرتيش الناس هتقول علينا إيه؟

سكتت أمينة، والرد اتحبس في زورها.

بعد أقل من ساعة، العربية رجعت.

العمال طلعوا السرير والكومود والحاجات واحدة واحدة، وسط صمت تقيل.
إيمان كانت واقفة في نص أوضة ابنها، تبص على كل قطعة كأنها بترجع جزء من روحها.

لكن أول ما شافت البطانية الصوف… حضنتها وبكت.

بكت بوجع الست اللي فقدت أمها، وبعدها اكتشفت إن آخر ذكرى منها كانت معروضة للبيع.

جابر

وقف عند الباب يراقبها، وقلبه بيتقطع.

ولأول مرة يحس إنه فشل يحمي مراته.

قرب منها بهدوء:

— حقك عليا.

إيمان ما ردتش فورًا.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت بصوت متعب:

— أنا كنت محتاجة تحميني… مش تجيب أوضة جديدة بكرة.

الكلمة ضربته أقوى من أي صريخ.

نزل عينه للأرض.

— خفت أواجهها… طول عمري بخاف أزعلها.
— بس النهارده فهمت إن سكوتي كان بيكسرك إنتِ.

إيمان بصتله طويل… وشافت قدامها راجل بيحاول يصلح خراب اتربى جواه من سنين.

وفجأة، أمينة خرجت من أوضتها وهي شايلة شنطة قديمة.

لكن قبل ما تمشي، وقفت قدام إيمان.

— مبسوطة؟ خدتِ ابني مني.

إيمان مسحت دموعها ببطء، وردت لأول مرة بقوة:

— لا… إنتِ اللي خسرتيه بنفسك.
— الأم عمرها ما تمد إيدها على رزق حفيدها.

أمينة بصتلهم للحظات، ثم خرجت وقفلت الباب وراها بعنف.

وصوت الباب كان كأنه نهاية عمر كامل.

ساد الصمت.

البيبي أخيرًا هدي، ونام في حضن إيمان.

جابر قرّب السرير مكانه، وفرش البطانية بنفسه بحرص شديد، كأنه بيعتذر من ابنه من غير كلام.

وبينما إيمان بتحط الطفل في سريره، رن موبايل جابر.

بص للشاشة… واتجمد مكانه.

إيمان لاحظت تغير وشه.

— مين؟

جابر رد بصوت منخفض ومصدوم:

— قسم الشرطة…

وسمعوا صوت الظابط بوضوح من السماعة:

حضرتك ابن الست أمينة عبدالسلام؟
— والدتك اتقبض عليها من نص ساعة… وكانت بتحاول تسحب قرض جديد ببطاقة مزورة باسم مراتك.

إيمان حسّت إن الأرض بتميل تحت رجليها.

— باسمي أنا؟!

جابر خطف المفاتيح بسرعة.

— إنتِ اقفلي الباب وماتفتحيش لحد. أنا رايح القسم.

لكن إيمان هزت راسها بعناد، رغم تعبها ولسه خارجة من الولادة.

— لا… أنا جاية معاك. الموضوع بقى يخصني.

بعد نص ساعة، كانوا قاعدين قدام مكتب ظابط المباحث في قسم قديم، ريحته سجائر وورق متخزن من سنين.

أمينة كانت قاعدة في الركن، شعرها مبهدل ووشها شاحب.
أول ما شافتهم، قامت بسرعة.

— جابر! قولهم يسكتوا المحضر… دي غلطة وهتتصلح!

الظابط فتح الملف قدامه وقال بجدية:

— والدتك حاولت تستخدم صورة البطاقة بتاعة المدام وتعمل طلب قرض إلكتروني بمبلغ كبير. البنك شك، وبعت بلاغ فورًا.

إيمان افتكرت فورًا.

يوم الولادة…
لما أمينة أصرت “تطمن على الورق” في شنطة المستشفى.

ساعتها بس فهمت.

أمينة كانت بتخطط من البداية.

جابر قعد ببطء على الكرسي، وكأنه خلاص ما بقاش قادر يستوعب صدمات أكتر.

— ليه يا أمي؟ ليه وصلتي نفسك لكده؟

أمينة انفجرت في العياط.

— كنت غرقانة… الناس بتهددني! كل يوم رسايل ومكالمات! كنت فاكرة هعرف أرجع الفلوس قبل ما حد يحس!

إيمان بصتلها للحظة طويلة.

وشافت قدامها ست مكسورة… لكن كمان ست اختارت تكسر الكل معاها.

الظابط اتكلم بهدوء:

— يا مدام، قدامكم حل من اتنين… يا تكملوا إجراءات المحضر، يا تتنازلوا لو هيتسدد المبلغ القديم ويتعمل تعهد.

إيمان بصت لجابر.

وجابر بص لأمه.

الصمت بينهم كان تقيل جدًا.

وفي النهاية، جابر اتكلم بصوت متعب:

— هسد الديون… لكن من النهارده، كل حاجة بينا هتتغير.

أمينة رفعت عينيها فيه بأمل ضعيف.

لكنه كمل:

— هتتعالجي.
— ومش هتمسكي جنيه واحد ولا ورقة واحدة تخص بيتنا تاني.
— ولو حاولتي تأذينا مرة كمان… ساعتها هختار القانون.

أمينة انهارت على الكرسي وهي بتبكي.

أما إيمان، فكانت ساكتة.

لحد ما خرجوا من القسم، وركبوا العربية.

الشارع كان هادي بشكل غريب، والهوا البارد دخل من الشباك.

جابر مسك إيدها بحذر.

— عارف إن الاعتذار مش كفاية.

إيمان بصت لقدام وقالت بهدوء:

— الثقة لما بتتكسر… بترجع ببطء.

هز راسه بتفهم.

— وأنا مستعد أستنى.

وصلوا البيت قبل الفجر.

أول حاجة عملها جابر، إنه غير كالون الشقة بالكامل.

وبعدها دخل أوضة البيبي.

الضوء الخافت كان نازل على السرير الصغير، والبطانية الصوف متغطية بيها طفلهم بهدوء.

إيمان وقفت تبص للمشهد، وحسّت لأول مرة من أيام

إن البيت رجع آمن.

جابر قرب منها، ولف دراعه حوالين كتفها بخفة.

— أوعدك… محدش هيكسر بيتنا تاني.

إيمان سكتت ثواني، ثم سندت راسها عليه بتعب.

وخارج الأوضة، كانت الشمس بتطلع ببطء…
كأن الليل الطويل أخيرًا خلص.

تم نسخ الرابط