الرحيل القاسي كاملة بقلم انجي الخطيب
كان قلب إيمان بيدق بعنف لدرجة إنها حست إن حيطان الشقة القديمة بترتعش مع كل نبضة. كانت ضامة على صدرها ظرف تقيل مليان أوراق، وفي حضنها البيبي نايم، كأنها خايفة الدنيا كلها تقع فوق دماغها في أي لحظة.
جابر كان طالع وراها شايل شنط المستشفى، وبيتكلم عن اللبن والحفاضات، لكن إيمان ما كانتش سامعة منه غير دوشة بعيدة.
أول ما فتحت أوضة الطفل، الهوا تقل فجأة… زي اللحظة اللي قبل العاصفة.
الأوضة كانت فاضية.
فاضية تمامًا.
المكان اللي كان فيه سرير البيبي الخشب، ما بقاش فيه غير أرضية باردة. اختفى الكومود، وطاولة التغيير، والرفوف، وجهاز التعقيم، وحتى الدبدوب اللي اختاروه سوا.
حتى الحيطة اللي مرسوم عليها سحاب صغير بقت كأنها بتتريق عليهم.
خرجت حماتها أمينة من المطبخ، ماسكة كباية شاي وبتشرب براحة.
— واقفين كده ليه؟ ادخلوا يا إيمان، الهوا مش كويس للواد.
إيمان بصتلها بذهول.
— فين الأوضة؟ فين الحاجات؟
أمينة ردت بمنتهى البرود:
— بعتهم عند هبة بنت خالت جابر في المرج. البنت داخلة تولد وما عندهاش حاجة. وإنتوا الحمد لله شباب، وجابر شغال… يعني مش هتموتوا من غير شوية عفش.
إيمان لفت ناحية جابر بسرعة.
— إنت كنت عارف؟
جابر نزل عينه للأرض.
— أمي عملت كده وإحنا في المستشفى… معاها نسخة من المفتاح. جيت مرة البيت وشفت، بس ما حبيتش أعمل خناقة. طلبت أوضة جديدة وهتوصل بكرة.
ضحكت إيمان ضحكة صغيرة
— بكرة؟! وابني ينام النهارده فين؟ في كرتونة؟
أمينة نفخت بضيق:
— يا بنتي ناميه جنبك وخلاص. السرير الطبي ده كان دلع فارغ. هبة أولى بيه.
إيمان سكتت ثواني، وبعدين قالت بصوت مكسور:
— كان فيه بطانية صوف… أمي الله يرحمها كانت عاملاها بإيديها قبل ما تموت. فين هي؟
أمينة هزت كتفها بلا مبالاة:
— خرقة قديمة… طلعت مع باقي الحاجات.
إيمان حسّت إن روحها بتتسحب منها. فتحت اللابتوب بسرعة، وكتبت:
“سرير أطفال خشب للبيع – التجمع”.
ظهرت قدامها صور الإعلان.
نفس السرير.
ونفس البطانية.
معروضة للبيع بمبلغ تافه.
لفت الشاشة ناحية جابر.
— شوف بنفسك… أهي الست الغلبانة بتسترزق إزاي.
وش جابر اصفرّ، وبص لأمه بصدمة.
— يا أمي… يعني إيه الكلام ده؟!
أمينة عليّت صوتها فورًا:
— هبة محتاجة فلوس! الكهربا مقطوعة عندها وإنتوا عايشين ملوك!
إيمان مسكت موبايل جابر، وطلبت آخر رقم كان متسجل. فتحت السماعة.
رد صوت بنت بحماس:
— ألو يا جابر! قول لمامتك إني حولتلها خمستاشر ألف عربون أوضة البيبي، والباقي هديهولها لما أبيع الترابيزة والكومود. أنا رايحة الكوافير دلوقتي وهعدي عليها بالليل.
إيمان قفلت المكالمة بهدوء مرعب.
أمينة رجعت خطوة لورا.
وجابر وقف ساكت، كأنه اتشل.
إيمان بصتلها بعين مليانة وجع وقالت:
— إنتِ سرقتي حفيدك… عشان تسددي ديون القمار اللي عليكي.
أمينة صرخت بعصبية:
— كدب! دي
لكن جابر أخيرًا اتحرك.
طلع مفتاح الشقة من جيبه، وحطه قدامها على الترابيزة.
وصوته كان ساقع بشكل خوّفها:
— قدامك عشر دقايق تلمي حاجتك وتمشي من البيت.
أمينة بصّت لابنها كأنها أول مرة تشوفه.
— إنت بتطرد أمك يا جابر؟ بعد العمر ده كله؟ عشان واحدة لسه داخلة بيتك من سنتين؟!
إيمان ضمّت ابنها أكتر لصدرها، ووشها شاحب من التعب والصدمة، لكنها ما نطقتش.
أما جابر، فكان واقف جامد، عينه ثابتة على أمه.
— مش بطردك… أنا بمنعك تدخلي حياة ابني تاني.
أمينة ضحكت بسخرية وهي بتحاول تلم الدور:
— عشان كام قطعة عفش عملتوا فيها محكمة؟! طب ما أنا ربيتكم بالحافية! أبوك مات وسابني شايلة الحمل لوحدي!
— وفضلت طول عمرك تفكرينا بالجميل — رد جابر بمرارة — كل مرة تساعدي حد، لازم تدفعيه عمره كله تمن.
أمينة قربت من إيمان بعصبية:
— وإنتِ! من يوم ما دخلتي البيت وإنتِ فرّقتي بيني وبين ابني!
إيمان رفعت عينيها أخيرًا، وقالت بهدوء موجع:
— أنا كنت بعتبرك أمي… لحد ما بعتي آخر حاجة ريحتني من أمي الحقيقية.
الجملة نزلت على المكان كأنها صفعة.
ولأول مرة، أمينة سكتت.
لكن الصمت ما طولش.
رن جرس الباب فجأة.
جابر فتح، فدخل راجلين شايلين أكياس كبيرة، ووراهم واحدة ست متصنعة زيادة عن اللزوم، لابسة نضارة شمس بالليل.
— مساء الخير يا طنط! جبتلك الفلوس زي ما اتفقنا… والباقي لما الزبونة تاخد السرير.
كانت هبة.
أول ما شافت إيمان واقفة والبيبي وشها اتقلب.
— يا نهار أبيض… إنتوا رجعتوا بدري ليه؟
جابر قرب منها بخطوتين.
— يعني إنتِ كنتِ عارفة إن الحاجات دي بتاعة ابني؟
هبة بلعت ريقها بسرعة.
— والله طنط قالت إنكم جبتوا جديد… وأنا كنت محتاجة—
— محتاجة تسرقي طفل لسه مولود؟!
صوت جابر علا لأول مرة، لدرجة إن البيبي صحي وبدأ يعيط.
إيمان حضنته بسرعة وهي بتحاول تهديه، لكن دموعها نزلت غصب عنها من التعب والقهر.
هبة بصّت لأمينة بتوتر:
— أنا ماليش دعوة… هي اللي قالتلي أبيع بسرعة قبل ما ترجعوا.
جابر لف ناحية أمه ببطء.
— قبل ما نرجع؟ يعني كنتِ مخططة لكل ده؟
أمينة بدأت تنهار:
— كنت مزنوقة! الناس بتتصل بيا ليل نهار! كانوا هيحبسوني!
إيمان رفعت رأسها فجأة:
— مين الناس؟
أمينة سكتت.
وجابر فهم.
— ديون قمار فعلًا… صح؟
أمينة قعدت على الكرسي وهي بتعيط:
— كنت بلعب شوية عالتليفون… وبعدها استلفت… وبعدها خسرت… ماكنتش أقصد أوصل لكده.
جابر قفل عينه للحظة، كأنه بيستوعب إن أمه اللي كان شايفها ست قوية طول عمره، طلعت بتنهار في السر.
لكن لما فتح عينه، كان القرار اتحسم.
— هبة، كل حاجة هترجع الليلة دي. حالًا.
— وأنتِ يا أمي… بكرة الصبح هتكوني في بيت خالتي لحد ما نشوف حل.
أمينة بصتله بصدمة:
— يعني خلاص؟ هتسيب أمك؟
جابر رد بصوت مبحوح:
— إنتِ اللي سبتي نفسك من زمان يا أمي.
إيمان
قربت منه لأول مرة من ساعة ما دخلوا البيت، وحطت إيدها على دراعه.
وجابر وقتها بس… انهار.
جابر سند بإيده على الحيطة، وكأنه فجأة فقد كل القوة اللي كان واقف بيها من شوية.