الندم طعمه مر كاملة بقلم انجي الخطيب
كان راجل لابس بدلة كحلي ومعاه شنطة جلد تقيلة.
— "الأستاذ رأفت عز الدين؟"
— "أيوه أنا."
هز راسه باحترام:
— "أنا جاي بخصوص وصية المرحوم أنور الفولي."
هناء ظهرت ورايا وقالت بذهول:
— "أبويا؟"
المحامي أكد بكلامه:
— "عم أنور ساب تعليمات محددة.. وجواب ميتفتحش غير بعد الدفن."
قلبي بدأ يدق بطريقة غريبة.
عم أنور طول عمره مكنش بتاع أسرار.. ولا حتى كان معاه فلوس لمحامين.
ساعة والبيت كله اتجمع، مدحت وإخواته جم تاني.
المرة دي مفيش دموع.. فيه فضول بس.
مدحت ضحك باستهزاء:
— "جواب إيه؟ هو الحاج كان حيلته حاجة غير الراديو المكسور ده؟"
المحامي مردش.
فتح الشنطة ببطء على ترابيزة السفرة.
ساعتها رجلي مكنتش شايلاني.
جوه الشنطة مكنش فيه ورق بس.
كان فيه صور قديمة.. كشوفات بنك.. وصولات أمانة.. دفتر صغير أزرق مليان أرقام مكتوبة بخط إيده.
وظرف أصفر كبير.
مكتوب عليه اسمي أنا.
مكتوب: **"لرأفت"**.
مش لبنتي.. مش لولادي..
مكتوب: "لرأفت".
مدحت وشه اتغير:
— "أكيد فيه حاجة غلط."
المحامي بص له بجمود:
— "مفيش غلط يا فندم."
هناء مسكت إيدي من تحت الترابيزة.
البيت كله سكت تماماً.
المحامي فتح الظرف وطلع الورقة، وبدأ يقرأ أول سطر في الجواب.
الكلمة دخلت في صدري زي السكينة:
**"سامحني يا ابني.. أنا مكنتش
وفي اللحظة دي.. ولأول مرة من يوم ما مات..
حسيت بخوف حقيقي من اللي لسه هعرفه.
**يتبع
المحامي كمل قراية والبيت كله كأنه مفيش فيه نَفَس طالع. صوت المحامي كان هادي، بس الكلام كان بيضرب في نفوخي زي المرزبة:
"يا رأفت يا ابني.. أنا عارف إنك شلت فوق طاقتك، وعارف إن وجودي في الأوضة اللي فوق كان كاتم على نفسك وعلى بيتك. أنا مكنتش أعمى، كنت شايف لمعة الزهق في عينك، وسامع تنهيدتك كل ما تفتح فاتورة الكهرباء. وعارف إنك بعت الموتوسيكل اللي هو لقمة عيشك عشان عملية عيني.
زمان، لما المصنع اللي كنت شغال فيه قفل وخدت المكافأة، كنت ناوي أشتري شقة تلمني أنا وهناء وأمها الله يرحمها. بس لما شوفتك داخل البيت وأنت لسه خاطب هناء، وشوفتك بتبني مستقبلك بضوافرك، قولت الفلوس دي مش لازم تخلص في حيطان.. الفلوس دي لازم تبقى 'سند'.
أنا محطتش مليم واحد في البيت ده من يوم ما دخلته يا رأفت. كنت بخليك تصرف عليا وأنا قلبي بيتقطع، بس كان عندي غرض. كنت كل شهر باخد معاشي الصغير، وبحط عليه 'الأرباح' بتاعة مكافأة المصنع اللي كنت مشغلها في البنك من عشرين سنة.. وكنت بحطهم في حساب باسمك أنت.. 'رأفت عز الدين'."
مدحت نسيبي وقف فجأة ووشه احمر:
— "حساب باسم مين؟ ده ورثنا كلنا!
المحامي بص له بنظرة حادة وطلع ورقة رسمية:
— "ده توكيل رسمي وتنازل ممضي من عشر سنين، وموثق في الشهر العقاري. عم أنور كان بيحول كل مليم بيوفروا من 'مصاريفه' اللي كان بياخدها منكم، على الحساب ده."
المحامي كمل قراية الجواب:
"يا رأفت.. أنا كنت بحوش لك تعبك. كل مليم دفعته في دوايا، كنت بردهولك عشرة في البنك. كنت بضغط عليك عشان توفر، عشان لما أمشي، تلاقي السقف اللي كنت عايز تصلحه، وتجيب الموتوسيكل اللي بعته، وتجوز ليلى وتفرح بهاني.
أنا مكنتش 'عالة' يا ابني.. أنا كنت 'حصالة' لفلوسك اللي كنت هتصرفها يمين وشمال لو كانت في إيدك. سامحني إني خليتك تشيل الهم، بس كان لازم أضمن إنك مش هتتزنق يوم ما أموت. الدفتر الأزرق ده فيه كل قرش أنت دفعته.. وفيه 'الرد' بتاعه. الشقة اللي فوق السطوح دلوقتي بقت ملكك بالكامل، والحساب اللي في البنك فيه مبلغ يخليك متدخلش الورشة تاني لو مش عايز."
وقعت من طولى على الكرسي. هناء كانت بتبكي بصوت مسموع وهي ماسكة صورة أبوها. مدحت وإخواته بدأوا يتخانقوا مع المحامي، بس أنا مكنتش سامعهم. كنت سامع صوت عم أنور وهو بيقولي في الطرقة: **"حقك عليا يا ابني.. خلاص هانت."**
طلعت الورقة الأخيرة من الظرف. كانت ورقة صغيرة مطوية بعناية،
> "يا رأفت.. النهاردة وأنا قاعد في البلكونة، شوفتك وأنت راجع من الورشة، ضهرك محني وشعرك شاب قبل أوانه. كان نفسي أنزل أبوس إيدك وأقولك إن الفلوس جاهزة، وإنك تقدر ترتاح.. بس خفت لو عرفت تبطل تحافط.
> أنا دلوقتي اللي 'ارتحت'. ادهن البيت يا ابني، وغير المروحة اللي بتزيق دي.. وخلّي الولاد يختاروا الأوضة اللي تريحهم. وأمانة عليك.. ابقى اشرب كوباية شاي بلبن في البلكونة وافتكرني بالخير.. أنا مكنتش عايز منك غير إنك تحس إني أبوك، مش مجرد 'حماك'."
>
المحامي ساب الورق ومشي بعد ما مدحت وإخواته يئسوا وخرجوا وهما بيشتموا. قعدت لوحدي في البلكونة. الدنيا كانت ليل، والراديو بتاع عم أنور كان لسه مكانه.
مديت إيدي وشغلته. جه برنامج "كلمتين وبس". غمضت عيني وتخيلت عم أنور قاعد جنبي ببرنيطته الخوص. بصيت لإيديا اللي لسه فيها آثار شحم من شغل الصبح، وبكيت.. بكيت زي العيل الصغير.
عشرين سنة كنت فاكر إني شايله.. وفوجئت في الآخر.. إنه هو اللي كان شايلني، وشايل بيتي، ومأمن مستقبلي في صمت.
**الندم طعمه مر.. بس الدرس كان غالي أوي.**
البيت مكنش ضيق يا جماحة.. قلبي هو اللي كان ضيق. ولما وسعت قلبي لعم أنور وهو ميت.. عرفت