الندم طعمه مر كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

 الجزء الأول: صمت عمّ أنور
فضلت عشرين سنة بشتكي من حمايا.. لحد ما مات، وساعتها بس عرفت هو كان بيعمل إيه في السكات.
عشرين سنة كاملة، وحمايا عايش في "الأوضة اللي فوق السطوح" في بيتنا. أوضة ضيقة، مكركبة، جنب منشر الغسيل، مفيش فيها غير مروحة سقف قديمة بتزيق طول الليل، وريحة المسحوق والصابون كانت بتكتم نَفَس الحيطان.
كان اسمه **عم أنور الفولي**.
مات وعنده تسعة وتمانين سنة.
كان خيط رفيع..
صامت..
ودايماً لابس "البرنيطة" الخوص بتاعته اللي الزمان أكل من حوافها.
كان بيمشي في البيت ببطء، كأنه بيحاول ياخد أقل مساحة ممكنة من الكون.. بس كان واخد مساحة كبيرة أوي.. في دماغي أنا.
اسمي **رأفت عز الدين**.
قضيت عمري كله شقيان في ورشة ميكانيكا في منطقة "صقر قريش".
كنت برجع البيت مقتول من التعب، ريحتي شحم وجاز، وإيديا متشرحة من مفاتيح الربط.
وكل ليلة تقريباً، كنت ألاقي عم أنور قاعد على الكرسي في البلكونة، مشغل الراديو "ترانزيستور" على الواطي، وقاعد يزقزق لقمة عيش فين في كوباية شاي بلبن.
مراتي، **هناء**، كانت دايماً تدافع عنه:
— "يا رأفت ده ملوش حد غيرنا، ده الراجل ملوش صوت."
وكنت برد عليها بالكلمة اللي لسه بتطاردني لحد النهاردة:
— "واحنا كمان يا هناء ممعناش حاجة، البيت يادوب شايلنا بالعافية."
كانت بتعيط..
وأنا كنت بسكت..
وعم

أنور كان بيعمل نفسه مش سامع.
عشرين سنة على الحال ده.
عشرين سنة شريط الأدوية مرمي على الرخامة في المطبخ.
كشوفات دكاترة.
فواتير صيدلية.
لقمة زيادة بتتحسب من ميزانية الشهر.
وجسم زيادة في شقة يادوب تقضينا بالعافية.
ولادي كبروا وهما محشورين في أوضة واحدة عشان جدهم واخد الأوضة الوحيدة الفاضية.
أجلت تصليح سقف البيت عشان عملية "المية البيضا" اللي عملها في عينه.
بعت "الموتوسيكل" بتاعي اللي كنت بسترزق منه عشان أكمل تمن الأشعة بتاعته.
ومع كل ده.. مكنتش بسمع منه كلمة شكوى واحدة.
عم أنور كان من النوع اللي بيحاول يختفي عشان ميزعلش حد.
يغسل طبق أكلة بنفسه.
ياكل أقل من القليل.
ويلبس نفس الهدوم سنة ورا سنة.
أوقات كنت أدخل المطبخ في نص الليل، ألاقيه قاعد يخيط زرار قميصه على نور اللمبة السهارى بتاعة الطرقة.
بس برضه.. كنت بتخنق.
عشان كبر السن جوه بيوت الناس بيحول وجودك لذكرى مستمرة بالمسؤولية.. خصوصاً لما القرش يقل.
والقرش دايماً كان قليل.
كانت بتيجي شهور بختار فيها بين إني أغير فردة كاوتش للعربية اللي بتشيلني للورشة، وبين إني أجيب دوا الضغط لعم أنور.
كانت بتعدي ليالي أبص فيها للفواتير المرمية قدامي وأنا سامع كحته جاية من فوق السطوح.
وفي اللحظات دي.. كنت بفكر في حاجات وحشة.
بفكر فيها بسكات.. بس بفكر.
"يا رب وسعها علينا.. يا ترى
لو كان لوحدنا كان حالنا بقى إزاي؟"
مقلتش كدة لهناء ولا مرة وش.. بس تنهيداتي كانت بتفضحني.
سكاتي الطويل.. ونظراتي اللي كلها زهق.
وعم أنور كان حاسس بكل حاجة.. الكبار بيحسوا أكتر ما نتخيل.
كان يوطي راسه ويقول بصوت واطي:
— "حقك عليا يا ابني.. خلاص، هانت.. مش هتقل عليك تاني."
الكلمة دي كانت بتنرفزني أكتر.
عشان كان فيها حزن بيقطع القلب.. وعشان في قرارة نفسي كنت عارف هو يقصد إيه بكلمة "هانت".
في ليلة مطرها كان شديد، فاكر إني فقدت أعصابي.
رجعت من الورشة مبلول وهدومي طين، لقيت هناء بتجنب قرشين من المصاريف عشان دوا غالي لأبوها.
بصيت للمحفظة الفاضية.. وبعدين بصيت للطرقة الضلمة اللي بتودي للسطوح.. وقولت من غير ما أفكر:
— "هي البيت ده كله هيعيش عشان يخدم عليه هو وبس؟"
السكوت اللي حصل بعدها كان مرعب.
هناء وقفت مكانها والفلوس في إيدها، ودموعها نزلت من غير صوت.
وعم أنور ظهر في الطرقة بعدها بثواني.
غالباً سمع كل كلمة.
بس مشي ببطء للمطبخ، ملى كوباية مية، ورجع أوضته من غير ولا كلمة.
كان المفروض أحس بالذنب.. بس ساعتها كنت حاسس بالهلك.. هلكان وتعبان ومخنوق.
السنين جرت.
ابني **هاني** كبر.
بنتي **ليلى** دخلت الجامعة.
وعم أنور لسه هناك.
بيصغر.. وبيخس.. وبيسكت أكتر.
ساعات ألاقيه باصص في صور قديمة لوحده في البلكونة.
وساعات يقعد بالساعات
ماسك الراديو وكوباية شاي بردت من زمان.
هناء كانت بتقول:
— "أبويا بدأ ينسى يا رأفت."
بس أنا كنت شايف إنه مش بينسى.. هو كان مستني "النهاية" وبس.
في صبحية من أيام أبريل، صحيت بدري عشان الورشة.
البيت كان هادي زيادة عن اللزوم.
عديت على البلكونة، لقيت عم أنور قاعد على كرسيه.
البرنيطة الخوص على ركبه.
والراديو شغال على إذاعة القرآن الكريم بصوت واطي.
افتكرته نايم.
— "يا عم أنور.."
حطيت إيدي على كتفه.
في اللحظة دي عرفت.
حمايا فارق الدنيا.
في هدوء.. من غير ما ينده على حد.
كأنه حتى وهو بيموت، كان بيحاول "ميزعجش" حد.
هناء صرخت لما عرفت.
الولاد انهاروا.
وأنا.. فضلت واقف مكاني باصص لجسمه الهزيل على الكرسي.
عشان مع الحزن، جالي إحساس مرعب جوايا.
إحساس بـ "الراحة".
سريع.. وقصير.. بس جه.
والإحساس ده كسرني من جوايا في لحظتها.
العزا كان بسيط.
شوية كراسي في الشارع وسكات كتير.
إخوات هناء التانيين ظهروا بعد ساعات.
نسيبي **مدحت** جه لابس قميص غالي وريحة برفيوم قلبت المكان، ونضارة شمس ماركة.
  هناء وعيط بصوت عالي.
وبعد أقل من عشر دقايق، سألني على جنب:
— "بقولك إيه يا رأفت.. هو الحاج ساب حاجة؟"
الكلمة دي قرفتني.
بس خلتني أحس بالخزي من نفسي.
لإني طول سنين كنت باصص لعم أنور بنفس الطريقة: "عبء مادي".
في الليلة دي، ولأول مرة من عشرين
سنة، كرسي البلكونة فضل فاضي.
وسكات البيت كان غريب.. تقيل.. كأنه بيعاتبني.
بعد تلات أيام، الباب خبط.

تم نسخ الرابط