سر اللهجة القديمة كامله حكايات انجي الخطيب
فعلاً مقام وهيبة اتكسرت في لحظة.
بمجرد ما دولت المنشاوي قالت اقفلوا الأبواب، الصوت رن في القاعة زي حكم الإعدام. الجرسونات اختفوا، ورجالة ياسين المنشاوي وقفوا ضهرهم للبيبان، والستاير القطيفة السودة نزلت غطت شبابيك الميزانين.
ياسين قرب من نور بخطوات هادية زي نمر بيحاصر فريسة، وعينه بتفحص وشها كأنه بيحاول يقرأ شفرة. الكلمة اللي قولتيها لأمي دي.. معناها إيه؟ وجبتيها منين؟
نور متهزتش. كانت واقفة وثابتة، رغم إن قلبها كان بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيخلع ضلوعها. بصت لدولت وقالت بلهجة السيوية القديمة الأمانة مابتتحرقش يا ست دولت.. والنار اللي كلت مشغل إيفيلين، منورتش الحقيقة.
دولت وشها اصفرّ، وبصت لابنها وقالت بصوت مرعوش سيبنا لوحدنا يا ياسين.
ياسين اتصدم أمي! دي بتطاول عليكي، ومحدش يعرف هي مين أصلاً!
دولت صرخت فيه لأول مرة في حياته قولت سيبنا لوحدنا!
ياسين خرج وهو هيتجنن، والرجالة انسحبوا. فضلوا الاتنين لوحدهم في المقام. دولت قامت من مكانها، ومشت ببطء لحد ما بقت قدام نور مباشرة.
إيفيلين كانت بتقول إن حفيدتها عندها عيون مابتنامش، دولت همست وهي بتلمس وش نور بإيد بترتعش، أنا اللي بعتت الرجالة يراقبوا البيت بعد الحريقة.. بس مكنتش عاوزة أقتلك يا بنتي. كنت عاوزه أحميكي من السر اللي جدتك شالته.
نور ضحكت بوجع تحميني؟ تحميني بالناااار؟ جدتي ماتت عشان رفضت تديكي الدفتر.
دولت لفت وشها الناحية التانية وقالت بكبرياء مجروح الدفتر ده لو طلع.. عيلة المنشاوي هتبقى تراب في ليلة واحدة. ياسين ميعرفش حاجة، ياسين فاكر إن ثروتنا من المحاجر والمقاولات، ميعرفش إن أصلها دم وخيانة.
نور قربت منها وهمست في ودنها الدفتر مإتحرقش يا ست الكل. جدتي خيطته جوه المانيكان الخشب اللي كان في نص المشغل.. المانيكان اللي أنا خرجته قبل ما النار تاكل السقف. وأنا النهاردة مش جاية أخدمكم.. أنا جاية أقولك إن الدفتر دلوقتي في إيد حد، لو مخدتش حقي وحق جدتي، الصبح الأسماء كلها هتبقى على مشانق السوشيال ميديا والنيابة.
دولت بصت لها برعب عاوزة إيه؟
نور بصت لصور جدتها في خيالها وقالت ببرود عاوزة عيلة المنشاوي تعترف.. مش قدام الحكومة، قدام الغلابة اللي اتسرقوا. وعاوزة القاتل اللي رمى عود الكبريت يتسلم لي.. وإنتي عارفة كويس هو مين.
دولت سكتت لحظة، ونزلت دمعة من عينيها، وبصت للباب اللي واقف وراه ابنها ياسين.. الشخص الوحيد اللي هي مستعدة تحرق الدنيا عشانه، وهو نفسه اللي كان الطرف الثالث في حريقة Brooklyn الغلابة حي القلعة.
في اللحظة دي، نور مكنتش مجرد جرسونة.. كانت هي صاحبة المقام.
دولت المنشاوي سكتت، والسكوت في المقام كان له صوت زي أزيز الرصاص. بصت
ياسين مش بس ابني يا نور، دولت قالتها بصوت شرخ فيه الكبرياء، ياسين هو اللي فاضلي من ريحة عيلة المنشاوي. لو سلمته، كأني سلمت رقبتي للمشنقة.
نور ردت عليها بجمود وجدتي كانت هي اللي فاضلة لي من ريحة الدنيا كلها. والعدل مبيعرفش ياسين ولا نور.. العدل يعرف إن فيه دم اتحرق، وفيه حق لازم يرجع.
فجأة، الباب اتفتح ودخل ياسين. وشه كان قالب خشب، وعينيه فيها نظرة حد فاهم كل حاجة بس مستني اللحظة اللي ينقض فيها. كان ماسك في إيده مسدس صغير مذهّب، ورماه ببرود على التربيزة قدام نور.
الدفتر مش معاكي يا نور، ياسين قالها وهو بيقرب بخطوات واثقة، الدفتر كان جوه المانيكان فعلاً، بس المانيكان مخرجش من الحريقة. رجالتنا قلبوا الدنيا ملقوش غير رماد. إنتي بتلعبي على أعصاب ست كبيرة عشان تنتقمي.. بس اللعبة خلصت.
نور ملامحها متأثرتش، فضلت بصاله ببرود مرعب، وقالت إنت صح يا ياسين.. المانيكان مخرجش. بس إنت نسيت أهم قاعدة جدتي علمتها لي عمرك ما تكتبي حاجة تقدري تحفظيها.
نور شاورت على دماغها وكملت الدفتر ده مكنش ورق.. ده كان شفرة لأسماء وحسابات في بنوك بره، جدتي حفظتهالي بلهجة سيوية ميتة وأنا عندي عشر سنين، كأنها حدوتة قبل النوم. أنا الدفتر يا ياسين. لو قتلتني، السر هيموت معايا.. بس أنا بعتت تسجيل بصوتي بكل الأرقام والأسماء
ياسين وقف مكانه، كأنه اتصعق بالكهرباء. القوة اللي في وشه اتهزت.
دولت المنشاوي قامت ووقفت بين ابنها وبين نور. بصت لياسين وقالت بكلمات تقيلة كفاية يا ياسين. كفاية دم. إحنا بنينا قصورنا على ردم بيوت الغلابة، وآخرتها إيه؟ واقفين خايفين من بنت عندها حق.
دولت لفت لنور وقالت أنا هسلمك القاتل يا نور. بس مش ياسين اللي رمى الكبريت.. اللي رماه كان عزت دراعي اليمين، بأمر مني أنا. ياسين كان فاكر إنها حادثة زيه زي الكل.
ياسين بص لأمه بذهول أمي؟ إنتي اللي عملتي كده؟
دولت غمضت عينيها
بوجع كنت خايفة عليكم.. كنت فاكرة إني بحميكم.
النهاية
في ليلة الجمعة اللي بدأت بهمسة، انتهت بزلزال.
دولت المنشاوي سلمت نفسها للنيابة واعترفت بكل اللي حصل في حريقة المشغل، وفتحت ملفات قديمة خلت رؤوس كبيرة في البلد تقع وراها.
عزت دراعها اليمين اتقبض عليه بتهمة القتل العمد.
ياسين المنشاوي لقى نفسه وحيد، ثروته اتهزت واسمه اتلوث، وقرر يسيب البلد ويمشي، وهو شايل ذنب معرفش يغسله.
أما نور.. فرجعت لحي القلعة. مابقتش جرسونة مخفية. فتحت مشغل إيفيلين من تاني، وبقت تقعد على نفس الطبلية، تشرب الشاي وتفتكر وصية جدتها.. إن الحق مبيتحرقش، حتى لو استنى سنين وسط الرماد.
نور بصت لصورة جدتها وابتسمت، ولأول مرة في حياتها،
تمت.