الجيم أوفر كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

فتحت منة باب الشقة بكتفها وهي شايلة شنطة اللابتوب في إيد وكيس السوبر ماركت في الإيد التانية. مفاتيحها وقعت منها على الأرض برنة مكتومة، فاتنهدت بتعب ووطت تجيبهم وهي حاسة بوجع في ضهرها من قعدة المكتب طول النهار، وعينيها كانت تقيلة من قلة النوم.
من الصالة كان طالع صوت ضرب نار وانفجارات وزعيق.. شريف بيلعب جيمز كالعادة. منة دخلت على المطبخ علطول من غير ما تبص عليه حتى، حطت الأكياس وبدأت تطلع الحاجة فرخة، بطاطس، طماطم، وعيش.
منة، إنتي جيتي؟ شريف نادى من الصالة بصوت عالي.
أيوه.
هناكل إيه النهاردة؟
وقفت مكانها وهي ماسكة كيس الفراخ، غمضت عينيها وأخدت نفس طويل وهادي. مسألش يومها كان عامل ازاي، مسألش تعبانة ولا لأ.. أول حاجة خطرت على باله هي الأكل.
ردت بهدوء مصطنع هقوم أعمل لقمة حالا.
طيب يا ريت تنجزي عشان واقع من الجوع.
بدأت إيدها تتحرك آلياً تغسل الفراخ، تقطعها، تتبلها، وتحطها في الطاسة. تقشر البطاطس وتولع العين التانية. ومن الصالة، صوت اللعبة لسه شغال.. ليفيل ورا ليفيل، وعدو ورا عدو. شريف بقاله سنة كاملة على الحال ده.
منة افتكرت اليوم اللي رجع فيه من سنة وقالها إنه استقال من شركة البرمجيات اللي كان شغال فيها تيستر. كان مرتبه 8 آلاف جنيه، مش كتير بس كان بيسند.
وقتها رمى شنطته على الكنبة وقال خلاص قرفت، مدير رخم وزمايل عقارب وشغلانة تجيب الهم، هدور على حاجة أحسن.
منة صدقته، قالت شريف شاطر ومتعلم وهيلاقي فرصة تليق بيه، والمهم ميتسرعش.
فات أسبوع، وشريف قاعد يقلب في إعلانات الشغل ويقول هبدأ

أبعت ال CV يوم الأحد. والأحد جه وراح ومفيش حاجة اتبعتت. الحجج كانت جاهزة المرتب قليل، المشوار بعيد، الشروط تعجيزية.
فات شهر، سألته بلطف عن الشغل، فزعق وقال إن السوق واقع ومفيش فرص عدلة، ولازم نصبر.
فاتت سنة.. منة بطلت تسأل، وشريف بطل حتى يمثل إنه بيدور. بقى يقضي يومه بين الجيمز والمسلسلات والنوم لحد الظهر.
ومنة كانت بتطحن، بتشتغل عن اتنين لحد ما بقت بترجع البيت تزحف عشان تترمي على السرير. هي بروجكت مانجر في وكالة إعلانات، مرتبها 12 ألف وبتاخد حوافز لو المشروع كمل.
بقت تقبل أي شغل إضافي عشان المصاريف مبترحمش إيجار الشقة 6 آلاف، والكهربا والغاز، وقسط العربية اللي جابوها لما كانوا هما الاتنين شغالين، غير الأكل والبنزين.
كانت بتطلع من جيبها حوالي 15 ألف جنيه شهرياً مصاريف أساسية، يعني المرتب بالبدلات بيخلص لآخر مليم، ومفيش مليم بيتحوش للطوارئ.
الفراخ كانت بتشكشك في الطاسة. غرفت الأكل وحطت السلطة وندهت عليه.
خرج شريف وهو بيتمطع، قعد وبدأ ياكل ممم، ريحتها حلوة، كنت هفطس من الجوع.
منة قعدت قدامه، بتاكل وهي ساكتة.. مجرد طاقة عشان تقدر تقف على رجليها.
يومك كان عامل ازاي؟ سألها وهو بيمضغ.
ماشي. ردت باختصار.
أنا كمان يومي كان تمام، عديت 3 مراحل في اللعبة الجديدة، صعبة بس ممتعة جداً.
منة هزت راسها ومردتش. غسلت المواعين وشريف رجع للصالة. دخلت الأوضة وبصت للسقف.. بكرة شغل تاني، اجتماعات وضغط وعملاء، وبالليل هتيجي تطبخ لواحد قضى يومه قدام شاشة.
تاني يوم، قابلت صاحبتها نهى على الغدا. نهى بصت
لها بأسف منة، إنتي شكلك مقتول تعب، أوفر تايم تاني؟
أيوه، بنسلم مشروع الأسبوع ده والدنيا مقلوبة.
وشريف؟ لسه ملقاش شغل؟
سكتت منة لحظة لأ.
نهى هزت راسها يا بنتي حرام عليكي نفسك، راجل بشنبات وقاعد في البيت بقاله سنة وإنتي اللي شايلة الشيلة؟
منة دافعت عنه كالعادة السوق صعب يا نهى، وهو محتاج وقت يسترد طاقته بعد الشغلانة القديمة.
بس من جواها كانت عارفة إن نهى صح. شريف استأنس القعدة، استحلى فكرة إن فيه حد شايل عنه الهم.
بعد أسبوع، منة كانت بتراجع حساب البنك من الموبايل، لقت سحب ب 15 ألف جنيه من محل إلكترونيات.
دخلت البيت لقت كرتونة كبيرة بلاي ستيشن 5 أحدث موديل. شريف كان قاعد بفرحة طفل بيوصل السلوك.
منة! بصي جبت إيه! الجهاز ده كان نفسي فيه من زمان!
حطت منة شنطتها بهدوء 15 ألف جنيه يا شريف؟
ما هو كان لازم ييجي، الجرافيكس فيه خرافية!
شريف، إحنا مش معانا رفاهية المبلغ ده، ده كان حق الإيجار وقسط العربية!
يا ستي هتتصرف، إنتي طول عمرك شاطرة وبتعرفي تدبري الأمور.
منة حست بنغزة في قلبها.. هتتصرف معناها شغل زيادة، سهر زيادة، ضغط أعصاب زيادة، عشان هو يلعب.
شريف، إحنا لازم نتكلم.. بقالك سنة مابتشتغلش، والتحميل كله عليا، أنا مش قادرة أكمل كدة.
شريف كشر بدأنا بقى؟ عشان جبت حاجة لنفسي هتعملي مناحة؟ أنا من حقي أرتاح، الشغل القديم دمر أعصابي.
سنة كاملة راحة؟ أنا بشتغل ورديتين عشان نعيش، وإنت بتصرف آخر قرش معانا على لعب!
خلاص يا منة، عرفنا إنك بتصرفي، لو مش عاجبك المرتب، زودي شغلك وشوفي شركة تانية بتدفع
أكتر.
سكتت منة.. زودي شغلك. كأنها مكنة مش بني آدمة.
الموضوع مخلصش، شريف رجع للعب ومنة دخلت تعيط في صمت.
الأسابيع مرت، ومنة بقت شبه الخيال. وفي يوم لقت أكياس لبس ماركات في الصالة، شريف طلب أونلاين هدوم جديدة ب 5 آلاف جنيه عشان مظهرة قدام صحابه اللي بيجوا يزروه.
لما واجهته، قلب التربيزة عليها واتهمها إنها بتبص له في اللقمة وبتحسب عليه الهدوم.
يوم السبت، مامتها كلمتها يا بنتي صوتك مش عاجبني، إنتي بتدبلي.
تعبانة شوية من الشغل يا ماما.
وشريف؟ لسه؟
لسه.
يا منة، الراجل لما بيتعود على الراحة والست هي اللي تشيل، بيفقد رجولته في نظر نفسه ونظرها. متسبيش نفسك تنهاري.
قعدت منة بعد المكالمة قدام الشباك، والدموع نازلة من غير صوت.
كلام نهى وكلام مامتها كان بيرن في ودنها إنتي بتصرفي على راجل شحط وصحته زي الفل.
بصت لشريف وهو نايم بالعرض على السرير، بيشخر ومرتاح ولا على باله أي هم في الدنيا، وحست إن اللبن فعلاً نشف، وإن صبرها اللي كان ملوش حدود، وصل للنهاية.
ساعتها بس، منة قررت إن البقرة الحلوب قررت توقف حلب، وتشوف حياتها هي.
دخلت منة المكتب يوم الأحد وهي واخدة قرار. ملامحها كانت هادية لدرجة تخوف، هدوء ما قبل العاصفة. طلبت من الحسابات في الشغل إنهم يفصلوا تحويل مرتبها عن الحساب المشترك اللي بينها وبين شريف، وفتحت حساب جديد تماماً ملوش علاقة بحد غيرها.
رجعت البيت الساعة 6، شريف كان لسه بيلعب، ومن غير ما يسلم قال منة، في مطعم مشويات فاتح جديد عامل عرض، اطلبي لنا كذا وكذا، أنا مكسل أطبخ.
منة حطت مفاتيحها
على الترابيزة وقالت ببرود اطلب إنت.
شريف ضحك باستخفاف
تم نسخ الرابط