زيارة امي المفاجأة حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

والرجولة مش بالصوت العالي ولا بكسرة الست الحامل. بنتي هتقعد عندي لحد ما تولد، وحقوقها كلها هتوصل لها، والطلاق هيكون بالمعروف زي ما دخلنا بالمعروف.
وفعلاً، مريم ولدت ابنها في وسط عيلتها، سمته يحيى عشان يكون بداية حياة جديدة ليها. وأول ما شالت ابنها في حضنها، بصت لأمها وقالت لها لولاكي يا ماما، كان زماني لسه واقفة قدام الحوض والمية التلج بتاكل في إيدي.
زينب باست راس بنتها وقالت لها البيت اللي يهينك يا بنتي ملوش عتبة تنداس، والراجل اللي مبيصونش عرضة ملوش مكان في حياتنا. مريم قفلت الصفحة القديمة تماماً، وبدأت تربي ابنها على الاحترام والحب، وهي عارفة إنها قوية بجد لأن وراها أم ب ميت راجل.
عدى شهرين على ولادة يحيى، ومريم بدأت تستوعب إن الحياة مكملتش هناك في المطبخ الضلمة، وإن ربنا نجدها بجد. عصام حاول يبعت ناس من طرفه عشان يصالحها، وكان بيبعت رسايل كلها ندم ووعود بإن ماما مش هتتدخل تاني وإنه هيجيب مية سخنة وشغالة، بس مريم كانت خلاص قلبها قسي من ناحيته.
زينب كانت قاعدة مع بنتها في البلكونة في طنطا، ومريم شايلة يحيى اللي نايم في حضنها، وقالت لها يا ماما، أنا مش قادرة أنسى صوته وهو بيزعق ويقول مش هتاكلي، كل ما باجي آكل لقمة بفتكر وجع بطني يومها.
زينب طبطبت عليها وقالت لها انسي يا بنتي، اللي
فات مات، والوجع ده هو اللي خلاكي النهاردة واقفة على رجلك. إحنا خلاص خلصنا إجراءات الطلاق، وحقك وحق ابنك جه لحد عندك بالمليم، والست لبيبة دلوقتي هي اللي واقفة تغسل المواعين وتخدم نفسها بعد ما كانت فاكرة إن بنات الناس خدامين عندها.
وفعلاً، مريم بدأت تنزل شغلها القديم، ونظمت وقتها بين يحيى وبين مستقبلها. مريم مكنتش بس نجت من سجن عصام، دي نجت من فكرة إنها ضعيفة. وبقت كل ما تبص في وش يحيى، تحلف إنها هتربيه يكون راجل بجد، يعرف إن الست أمانة مش وسيلة للتحكم.
وفي يوم سبوع يحيى، البيت كان مليان زغاريط وفرحة، وزينب كانت طايرة من الفرح وهي شايلة حفيدها وبترش الملح وبتقول يا رب بارك في اللي جه، واجعله سند لأمه زي ما أمه كانت صابرة. مريم بصت لأمها بامتنان كبير، وعرفوا هما الاتنين إن الحكاية اللي بدأت بدموع في مطبخ ساقع، انتهت بضحكة صافية في بيت دافي مليان حب.
وبعد ما يحيى كمل سنة، مريم مكنتش بس اتغيرت، دي اتولدت من جديد. بدأت تنجح في شغلها وبقت قوية وشخصيتها مستقلة، ومبقتش تخاف من حد. عصام كان بيحاول من وقت للتاني يشوف ابنه، وزينب كانت حازمة في الموضوع ده؛ يشوفه في مكان عام وبوجودنا، والالتزام بالمصاريف كلمة بكلمة، وده خلاه يعرف إن عيلة مريم مش سهل يتلعب معاهم.
وفي يوم من الأيام، مريم كانت ماشية
في السوق وشافت الست لبيبة صدفة. لبيبة كانت باينة عليها الكبر والتعب، ووشها مجهد من شيل البيت لوحدها. أول ما شافت مريم، حاولت تداري عينيها، بس مريم وقفت قدامها بكل ثقة وابتسمت ابتسامة هادية وقالت لها إزيك يا طنط؟ الحركة لسه بركة ولا التعب غلبك؟ لبيبة معرفتش ترد بكلمة واحدة، ومريم سابتها ومشيت وهي حاسة إنها خلاص اتصفت من أي وجع قديم.
زينب لما عرفت بالمقابلة دي، ضحكت وقالت لبنتها الدنيا دوارة يا بنتي، واللي يظلم لازم يدوق من نفس الكاس. مريم بصت ليحيى وهو بيلعب حواليها وقالت أنا مش عايزة من الدنيا غير إني أربي ابني ده على الأصول، عشان لما يكبر ويتجوز، يعرف إن بنت الناس ملكة في بيتها مش جارية.
وعاشت مريم حياتها في وسط أهلها، بيتهم بقى هو الأمان الحقيقي اللي كانت بتحلم بيه. ومبقتش تفتكر ليلة المطبخ التلج دي غير عشان تحمد ربنا إنها كان عندها أم زي زينب، قلبها حديد وحنيتها بحر، عرفت تخرج بنتها من الضلمة للنور. والحكاية اللي بدأت بدموع وذل، انتهت بكرامة مرفوعة وحياة جديدة كلها رضا وفرح.
ومرت السنين، ويحيى كبر وبقى راجل مالي مركزه، ومريم بقت هي السند والضهر لأمها زينب اللي كبرت وبقت بركة البيت كله. يحيى مكنش بس بيحب أمه، ده كان بيعشقها، لأنه كبر وهو شايفها بتتعب عشان متبقاش محتاجة لحد، وشايف
جدته وهي بتحكي له بفخر عن اليوم اللي أنقذت فيه أمه من السجن اللي كان اسمه بيت.
عصام حاول يتدخل في حياة ابنه لما كبر، بس يحيى كان صريح معاه وقاله أنا بحترمك عشان أنت أبويا، بس الراجل اللي مكنش موجود وأنا وأمي في عز الوجع، ملوش كلمة عليا دلوقتي. عصام عرف إنه خسر أغلى ما يملك بسبب قسوة قلبه وطوعه لكلام أمه، وعاش بقية عمره ندمان في شقة فاضية مفيهاش غير ريحة الماضي المر.
وفي يوم فرح يحيى، مريم كانت واقفة لابسة أجمل فستان، وعينيها بتلمع بالفرحة وهي شايفة ابنها بيعامل عروسته بكل حنية وذوق، وكأنه بيطبق كل كلمة مريم زرعتها فيه. زينب كانت قاعدة على الكرسي، بتبص ليهم بابتسامة رضا، ومسكت إيد مريم وقالت لها شوفتي يا بنتي؟ ربنا عوضك خير، والزرعة اللي سقتيها بالصبر، النهاردة طرحت عز وكرامة.
مريم باست إيد أمها وقالت لها كله بفضلك يا ست الكل، أنتي اللي علمتيني إن الست بكرامتها، وإن البيت اللي ميهونش عليكي زعلك هو ده البيت اللي يستاهل تعيشي فيه.
وانتهت الحكاية بلمة عيلة كبيرة في بيت طنطا الدافي، بيت مبيعرفش الساقعة ولا المية التلج، بيت مبيتقالش فيه غير يا حبيبتي ويا غالية. ومريم أخيراً نامت وهي مرتاحة البال، عارفة إن السجن اتهد للأبد، وإن ولادها وأحفادها هيكبروا في نور الشمس، بعيد عن أي ظلم أو قسوة.
تمت
حكايات
انجى الخطيب

تم نسخ الرابط