طفلة أنقذت الوحش حكايات انجي الخطيب

لمحة نيوز

بدري.
وقف ياسين بسرعة.
دلوقتي؟
حالًا.
في الليلة دي، سارة كانت المفروض تاخد آدم عند أمها في شبرا.
وللحظة
حاجة جواه صرخت فيه يخليهم يستنوا.
إحساس غريب.
الخوف اللي بييجي قبل الكارثة بثواني.
لكن فادي كان بالفعل بيمدله الجاكيت.
الباشا الناس مستنياك.
ياسين قرب من مراته عند الباب وباسها.
هرجع قبل الفجر.
ابتسمتله سارة وقالت وهي بتهزر
إنت دايمًا بتقول كده.
بصلها المرة دي بنظرة مختلفة.
المرة دي قصدي.
وفجأة، آدم جري عليهم بشراب في رجل ورجل لا.
بابا هات دونات.
ضحك ياسين لأول مرة من يومين، وشاله بين إيديه.
بالشيكولاتة؟
ورشة كمان.
الاتنين.
وعده
بس عمره ما رجع بالدونات.
الساعة كانت 1148 بالليل
لما ياسين كان واقف وسط مخزن فاضي في السويس، وبدأ يفهم إن مفيش مشكلة أصلًا.
وإنه اتسحب من بيته عمد.
في نفس اللحظة
تليفونه رن.
العربية السودا انفجرت فوق كوبري أكتوبر.
ناس شافوا نور نار ضخم طلع من تحت العربية
وبعدين الحديد اتلوى
والمطر فضل ينزل فوق الحطام المولع.
الشرطة قالت عطل ميكانيكي.
أما ياسين النجار
فسمّاه قتل.
قلّب مصر كلها عشان يعرف مين اللي عملها.
دفع فلوس بالملايين.
هدد ظباط ورجال أعمال.
كسر ناس.
واشترى ذمم ناس تانية.
كان بينام ساعتين بالعافية
ويصحى مفزوع وهو بينادي اسم سارة.
وطول الوقت
فادي الرشيدي كان واقف جنبه.
هو اللي كان يصبله الويسكي لما إيده تترعش.
وهو اللي كان يلم رجالة
ياسين لما الحزن يخليه متهور.
وهو اللي وقف جنبه في العزا، تحت الشمسية السودة، وقال بصوت ثابت
والله هندفعهم التمن.
وياسين صدقه.
والتصديق ده
قتله أبطأ من الانفجار نفسه.
ولما الشهور عدّت من غير ما يلاقي القاتل
ياسين اتغير.
الراجل اللي سارة حبته مات من جواه.
قفل أوضة البيانو.
شال كل صور مراته وابنه من القصر.
بطل ياكل على السفرة الكبيرة.
بطل يحتفل بالعيد.
حتى صباح الخير مبقاش يقولها.
وبقى بالظبط الراجل اللي أبوه كان عايزه
ملك متجمد
قلبه معمول من تلج.
وبعد تلات سنين
في نفس الصبح اللي دخلت فيه ليلى القصر من باب الخدم
ياسين النجار مكانش ضحك ولا مرة من يوم الجنازة.
أما أم ليلى
مريم عبدالسلام
فكانت زمان ممرضة أطفال في مستشفى الدمرداش.
ست بسيطة، ضحكتها حلوة، وإيدها ثابتة وهي بتتعامل مع الأطفال.
وكان عندها جوز اسمه حسام.
راجل طيب، بيرقص غلط في المطبخ مخصوص عشان يضحك بنته.
لكن حسام تعب.
في الأول كان إرهاق عادي.
بعدين خس شوية.
بعدين وجع بيخبيه كل مرة يلف وشه قبل ما يتأوه.
ولما اكتشفوا السرطان
كان المرض سبقهم بكتير.
مريم باعت عربيتهم الأول.
بعدين حلق جوازها الدهب.
بعدين جيتار حسام الجيتار اللي كان بيعزفلها بيه أول ما اعترف بحبه ليها في جنينة الأزهر.
اشتغلت شيفتات زيادة لحد ما رجليها ورمت.
وعينيها بقت محروقة من السهر.
وبقت حافظه ريحة المطهرات أكتر من ريحة بيتها.
وفي صباح يوم
تلات
حسام مات.
وإيد مريم على خده.
فتح عينه بالعافية وقال
أنا آسف.
دموعها نزلت فورًا.
آسف على إيه يا حبيبي؟
ابتسم حسام ابتسامة صغيرة متكسرة، كأن التعب طحن روحه خلاص.
عشان سايبك لوحدك.
مريم هزت راسها بسرعة وهي بتبكي.
إوعى تقول كده إوعى.
لكن أنفاسه كانت بتبعد.
ببطء
كأنه واحد ماشي في طريق طويل ومش راجع.
خلي بالك من ليلى
وكانت دي آخر جملة قالها.
بعد موته، الدنيا اتقفلت في وش مريم واحدة واحدة.
إيجار الشقة اتأخر.
المستشفى سرّحت نص العمالة.
والربو عند ليلى بقى أسوأ مع الرطوبة والسهر والخوف.
وفي النهاية
واحدة صاحبتها القديمة قالتلها إن قصر النجار بيدور على خدم جدد.
المرتب كان كبير.
لكن الناس كانت بتخاف تشتغل هناك.
بيقولوا القصر نفسه كئيب.
واللي يدخله يتغير.
ورغم كده، مريم وافقت.
عشان بنتها.
ومن أول يوم دخلت فيه القصر، فهمت إن الكلام كان حقيقي.
الخدم بيتكلموا بالهمس.
الحراس واقفين كأنهم داخل حرب.
والصورة الكبيرة لياسين النجار في المدخل كانت مخوفة أكتر من أي شيء.
لكن أكتر حاجة خوفتها
كانت عيون فادي الرشيدي.
الراجل كان هادي زيادة عن اللزوم.
مهذب.
وبيبتسم وهو بيتكلم.
بس نظراته كانت تخليك تحس إنه شايف جواك حاجة إنت نفسك متعرفهاش.
وفي الليلة اللي ليلى أنقذت فيها ياسين
كل حاجة بدأت تتكشف.
الدكتور وصل القصر بعد نص ساعة.
وبعد الكشف، وقف مذهول.
دي كانت أزمة تنفس حادة جدًا لو البخة
متاخدتش في الوقت ده، كان مات.
كل العيون راحت ناحية ليلى.
البنت الصغيرة كانت نايمة على الكنبة، حضنة الأرنب بتاعها، وصدرها لسه بيصفر بتعب.
ياسين فضل باصلها فترة طويلة من غير كلام.
أول مرة من سنين
يحس إن حد لمسه من جوه.
وفي الصبح
طلب يشوف مريم.
دخلت مكتبه وهي مرعوبة.
الباشا والله البنت مقصدتش تدخل
بنتك أنقذت حياتي.
قالها بهدوء غريب.
وبعدين فتح الدرج، وطلع ظرف كبير.
دي فلوس علاجها وأحسن دكتور في القاهرة هيشوفها.
مريم عينيها دمعت فورًا.
إحنا مش عارفين نشكرك إزاي
لكن قبل ما تكمل
ياسين لمح حاجة.
ليلى كانت واقفة عند الباب الصغير، باصة ناحية مكتبه بخوف.
بالتحديد
ناحية صورة قديمة جدًا كانت فوق الرف.
صورة سارة وآدم.
وشها شحب فجأة.
وضمت الأرنب لصدرها.
فيه راجل وحش.
الغرفة سكتت كلها.
ياسين عقد حواجبه.
مين؟
ليلى رفعت صباعها الصغير
وأشارت مباشرة ناحية فادي الرشيدي اللي كان واقف عند باب المكتب.
لأول مرة من سنين
الهدوء اختفى من وش فادي.
ثانية واحدة بس
لكن ياسين شافها.
وشاف الرعب اللي لمع في عينه.
مريم جريت على بنتها بسرعة.
ليلى! عيب يا حبيبتي!
لكن البنت بدأت ترتعش.
أنفاسها بقت أسرع.
هو كان واقف في الضلمة امبارح وكان زعلان إنك صحيت.
الهواء تقل فجأة جوه المكتب.
وياسين حس لأول مرة
إن قلبه بدأ يصحى من التلج.
ببطء، لف وشه ناحية أقرب راجل ليه.
ناحية الراجل اللي وثق فيه أكتر من نفسه.

وقال بصوت هادي هدوء أخطر من الصريخ
فادي هي تقصد إيه بكلامها؟
ابتسم فادي ابتسامة خفيفة، لكن لأول مرة من سنين الابتسامة مكانتش واصلة لعنيه.
دي طفلة يا باشا أكيد
اتخضت امبارح.
لكن
تم نسخ الرابط