سرّ مغارة الست جليلة كامله حكايات انجي الخطيب

لمحة نيوز

النجع كانت بتبقى ضربة فأس في الأرض.
كل نظرة وحشة بتبقى بذرة بتدفنها في الضلمة.
كل ليلة وحيدة بتبقى دليل إنها بتبني حاجة محدش غيرها شايفها.
بس الأسرار مبتفضلش مدفونة للأبد.
خصوصًا في مكان زي نجع الغريب.
وفي آخر يوم في شهر أغسطس، وهي نازلة من الجبل، هدومها متعفرة بالتراب، وصوابعها عليها بقعة خضراء غريبة..
الدكتور إبراهيم، حكيم المنطقة، وقف في نص الطريق وبص لإيدها بذهول.
وشه اتخطف.. مش استحقار.. لكن صدمة.
وسألها السؤال اللي خلى رضوى تحس إن الجبل كله اتهز من تحت رجليها
جبتي النبات ده منين يا رضوى؟
ولأول مرة طول الصيف..
رضوى خافت.
يتبع في الجزء الثاني...
الجزء الثاني كشف المستور
إيد الدكتور إبراهيم كانت بتترعش وهو بيمسك طرف صباع رضوى اللي عليه الصبغة الخضرا. الصبغة مكنتش مجرد لون، دي كانت ريحة نفاذة، ريحة أرض مبلولة بمسك، ريحة ميعرفهاش غير اللي قرأ في كتب الطب القديمة.
رضوى سحبت إيدها بسرعة ودارتها ورا ضهرها، وفحمة زمجر بصوت واطي كأنه بيحذر الدكتور.
ده.. ده شجر مطلعاه من ورا البيت يا دكتور، قالتها وهي بتحاول تداري نهجتها.
الدكتور إبراهيم بصلها بنظرة غريبة، نظرة واحد شاف ميت بيقوم من التربة. الشجر اللي بيطلع اللون ده يا بنتي اسمه عشبة الغريب.. العشبة دي انقرضت من
جبالنا من أيام ما كان جدي لسه عيل صغير. دي كانت ورث الحكماء، وبتموت لو شمت هوا ملوث أو لمستها إيد نيتها وحشة.
رضوى محكتش ولا كلمة، لفت وشها وكملت طريقها للبيت، بس قلبها كان بيدق زي الطبل. هي عارفة إن الدكتور إبراهيم راجل طيب، بس في النجع، الكلمة بتمشي أسرع من الحريقة في القش.
يومين والنجع كله كان مقلوب.
مش عشان العشبة، لا.. عشان الطمع.
كلمة منجم السكر رجعت تتردد في القعدات. عم جابر الحداد قعد يشيش قدام ورشته وقال بصوت فحيح البنت دي مش بتزرع طمي.. البنت دي لقت عرق دهب جديد وبتطلعه في شكاير. شفتوا وشها نور إزاي؟ شفتوا ملمس إيدها؟ اللي بيزرع فجل وبصل مبيبانش عليه العز ده!
الفكرة ركبت في دماغ رجالة النجع. الدهب. الكلمة اللي بتخلي الأخ يقتل أخوه.
وقرروا إنهم لازم يراقبوا بنت جليلة.
ليلة الجمعة، والقمري غايب، رضوى كانت جوه السرداب. كانت بتسقي أحواض عشبة الغريب اللي بدأت تفتح ورد أبيض صغير بينور في الضلمة زي النجوم. العشبة دي مكنتش دهب، لكنها كانت أغلى. كانت بتشفي الأمراض اللي الدكاترة بيغلبوا فيها، وده كان سر قوة أمها جليلة، وسر إنها عاشت عمرها كله بتخدم الناس من غير ما تطلب مليم.
فجأة، فحمة اللي كان نايم عند فتحة السرداب قام وقف.
شعر ضهره وقف، وطلع صوت مكتوم من
صدره.. هوهووو!
رضوى كتمت نفسها وطفت اللمضة بسرعة.
صوت خطوات تقيلة.. خبط حديد في صخر.
أنا متأكد إنها دخلت من هنا.. الصخرة دي بتتحرك!
ده كان صوت جابر الحداد، ومعاه اتنين من صبيانه.
رضوى انكمشت في ركن، قلبها كان هيقف. لو دخلوا وشافوا الملاذ، هيحرقوه. هيدوروا على الدهب، ولما ملقوش حاجة هيكسروا كل اللي بنته، هيقتلوا الزرع اللي أمها سابته لها أمانة.
الحداد بدأ يزق الصخرة بضهر الفأس. الصخرة اللي رضوى كانت بتزقها بذكاء وحرص، هما كانوا بيهدوها بغشم.
يا رب.. همست رضوى وهي بتضم فحمة لصدرها.
فجأة، وقبل ما الصخرة تتزحزح، حصلت حاجة مكنتش في الحسبان.
صوت رعد مكتوم جوه الجبل.. هزة أرضية خفيفة خلت التراب ينزل من السقف.
الجبل بيتحرك! المنجم هيقع! صرخ واحد من الصبيان.
الجبل مكنش بيتحرك، لكن فحمة كان عارف سر تاني. كان فيه ممر ميه قديم فوق المغارة، وبسبب الحفر والغشم بتاع جابر، الحجر الساند للميه انهار.
في ثانية، ميه سيل كانت محبوسة من الشتا اللي فات انفجرت من شقوق المنجم العمومي.
جري يا جدع! الغرق جاي!
جابر وصبيانه رموا الفؤوس وجريوا زي الفيران من الممر الرئيسي، والميه بدأت تملا المنجم المهجور كله.
رضوى فضلت مكانها، الميه كانت بعيدة عن السرداب العالي بتاعها، لكنها دلوقتي بقت محبوسة.
المنجم الرئيسي غرق، والطريق الوحيد للخروج اتقفل بطمي وحجر.
تاني يوم الصبح، النجع صحي على خبر غرق المنجم.
الكل كان واقف قدام الفتحة اللي بقت بركة ميه وطين.
البنت ماتت جوه، قالت ستهم وهي بتعيط.
تستاهل.. الطمع قل ما جمع، رد جابر وهو بيداري إن هو اللي تسبب في الكارثة.
لكن الدكتور إبراهيم كان واقف بعيد، باصص لقمة الجبل، مش للفتحة اللي تحت.
هو الوحيد اللي كان عارف إن اللي جليلة سابته لبنتها مش مجرد زرع، ده كان روح الجبل.
فوق، في قمة الجبل، بعيد عن عيون الناس، طلعت رضوى من شق صغير بين الصخور.. شق كان السرداب بيوصل له ك مخرج طوارئ.
كانت شايلة في إيدها شتلة واحدة من العشبة، ومعاها فحمة اللي كان بينفض الميه من شعره.
بصت للنجع من فوق.. النجع اللي حكم عليها بالجنون والموت.
ضحكت ضحكة صافية لأول مرة من يوم ما أمها ماتت.
هي مخدتش دهب.. هي خدت الحرية.
رضوى من يومها مظهرتش في النجع تاني.
بس الناس بدأت تحكي عن خيال ست بتمشي فوق السحاب، ومعاها كلب أسود كبير. وبيقولوا إن المرضى اللي بيضيع منهم الأمل، بيلاقوا على عتبة بيوتهم الصبح ورقة شجر خضرا ريحتها زي المسك.. ريحة بترجع الروح للجسد.
أما المنجم؟ ففضل مقفول.. شاهد على إن الجبل مبيفتحش كنوزه للي بيدور على الدهب، لكنه بيفتح قلبه
للي بيزرع الحياة في قلب الضلمة.
تمت حكايات انجي الخطيب

تم نسخ الرابط