سرّ مغارة الست جليلة كامله حكايات انجي الخطيب
الجزء الأول سرّ مغارة الست جليلة
في أماكن وسط الجبال، السكوت فيها مبيبقاش راحة.. السكوت بيبقى حُكم إعدام.
فوق، في عالي جبال البحر الأحمر، بعيد عن الزحمة بآلاف الأمتار، كانت فيه نجع صغير اسمه نجع الغريب. بيوت من الحجر واللبن، محشورة بين صخور الجرانيت الواعرة وطرق ملتوية زي أسرار العواجيز. الناس هناك كلمتهم قليلة، بس نظرتهم تموّت. نظرة واحدة فوق ميزان الدكان كفيلة تهد سمعة عيلة، ووشوشة بعد صلاة الجمعة ممكن تلاحق واحدة ست سنين وتكسر ضهرها.
والسكوت اللي كان محاوط رضوى كان أتقل من صخر الجبل نفسه.
كانت لسه في عز شبابها، عندها تلاتة وعشرين سنة.
سنّ يخلي الناس تستنى منها تمشي جنب الحيط..
وسنّ يخلي الكل فاكر إن من حقه يقرر لها تمشي في أنهي طريق.
رضوى طول عمرها عايشة في النجع، بنت الست جليلة، الست اللي قضت تلاتين سنة من عمرها بتخدم في دكان التموين الوحيد في المنطقة. جليلة ماتت الشتا اللي فات، خدها دور برد شديد نيومونيا بعد ما السيول سدت الطرق والاسعاف معرفش يوصل لها في الوقت الصح.
لما دفنت أمها في الأرض الناشفة، رضوى ملقيتش وراها غير بيت قديم على طرف الجبل، وشوية شغل خياطة، وكلب أسود كبير اسمه فحمة.
فحمة كان كلب الست جليلة.. ودلوقتي بقى بيمشي ورا رضوى في كل حتة، كأنه فاهم إن الحزن محتاج ونيس يشهد عليه.
أهل النجع كلهم عارفين رضوى.. بس المعرفة غير القبول.
كانت هادية زيادة عن اللزوم، وصريحة بطريقة بتضايقهم. لا ليها راجل يحميها، ولا عيلة كبيرة تسندها، ولا اسم تقيل يخلي الناس تعمل حساب لشرّها.
وفي النجع، الست اللي لوحدها مبيشوفوهاش
وكل يوم الصبح، رضوى كانت بتديهم سبب جديد للكلام.
تصحى هي وفحمة، تنزل لدكان عم بركات، تشتري اللي يكفيها بالقرشين اللي بتطلع بيهم من خياطة الجلاليب وتصليح هدوم الناس اللي مبيجوش في عينها أصلًا.
وبدل ما تروح بيتها، كانت تاخد طريق الجبل الشمالي.
ناحية منجم السكر القديم.
المنجم ده مهجور من أيام الإنجليز، بعد ما عرق الدهب نشف، والرجالة اللي دخلوا بأمل الغنى طلعوا منه فقرا وعيانين وعواجيز. بقى مجرد فتحة سودة في بطن الجبل، خشبها مسوّس ومحاوطها الصبار والهشيم، ويافطة محليّة بتقول خطر مفيش حد مهتم يدهنها من تاني.
بس رضوى كانت بتروح هناك.
يوم ورا يوم.
واللي كانت بتشيله فوق كتافها وهي طالعة مكنش بيدخل عقل حد.
شكاير طمي سودة جايباها من مشاتل بعيدة في المحافظة..
كياس تقاوي..
قلايل فخار..
لمض جاز..
جراكن كيروسين..
فأس صغيرة ومحرات يدوي..
وحتى جرادل مليانة زلط ناعم من قلب الوادي، كانت بتشيلها وصخر الجبل بيجرح إيدها، وفحمة ماشي جنبها زي خيالها.
الناس كانت بتراقب.. والناس لما فضوتها بتزيد، خيالها بيسرح في الشر.
البنت دي اتجننت خلاص، ده اللي قاله عم بركات لمراته ستهم وهو بيقفل الدكان، بعد ما رضوى اشترت منه زيت لمض وتقاوي لفت.
قالها وهو متطمن، كأنه بيقرأ نصيبها من وشها.
حد عاقل ياخد طمي ويدفنُه في مغارة؟
ستهم مردتش.. فضلت باصة من الشباك على طريق الجبل. كانت بتشوف رضوى ماشية كل أسبوع، تعبانة، شايلة، بس خطوتها فيها غرض مش موجود عند المجاذيب.
المجنون بيتوه.. بس رضوى بتشتغل.
لكن ستهم معرفتش تفسر ليه واحدة ممكن تزرع في ضلمة
غيرها مسكتش.
عم جابر الحداد، مكنش بيداري قرفه. كل ما رضوى تعدي قدام ورشته، يمسح إيده في مريلة الشغل ويهز راسه
عايشة في جحر زي الفيران.. بتدفس الطمي في الخرابة، كأن مفيش شغلانة شريفة في البلد.
رضوى مكنتش بترد.
اتعلمت من وجع فراق أمها إن مش كل إهانة تستاهل نضيع فيها النفس.
تفضل ماشية..
لحد ما تسيب آخر بيت في النجع وراها..
تعدي الوادي الناشف..
تشم ريحة الجبل اللي الشمس محمياه..
وتوصل لمكان ما كان العيال بيتحادوا بعض يرموا حجر في المنجم ويجروا قبل ما يسمعوا صوته وهو بيخبط في القاع.
فحمة كان دايمًا يقف قدام الفتحة.
ودنه تترفع.. جسمه يتخشب.. وعينيه الصفرا تثبت على الضلمة اللي جوه.
يبص لرضوى كأنه بيسأل نفس السؤال
ليه هنا؟
رضوى كانت بتنزل على ركبها، تلمس راسه بحنية وتهمس عشان هي اللي قالت لي يا فحمة.
تولع اللمضة.. وتدخل في قلب الضلمة.
جوه المنجم، الهوا بيتغير.
بره، النجع ملك للناس اللي بياكلوا في فروتها.
جوه، الجبل ملك لرضوى لوحدها.
أول أوضة في المنجم ساقعة حتى في عز الصيف. مية بتنقط من سقف الصخر برتم هادي، كأنها دقات ساعة قديمة. الريحة ريحة حجر مبلول، وحديد مصدي، وتراب معتق.
مفيش أي حاجة جميلة للوهلة الأولى.
مجرد ضلال.. وقضبان قطر مكسرة.. وعضم أحلام ماتت من ميت سنة.
بس رضوى مكنتش بتقف عند الدخلة.
كانت بتعدي الممر الرئيسي، توطي تحت عرق خشب مايل، وإيدها ساندة على الحيطة عشان متتزحلقش.
بعد تلاتين خطوة، الممر بيكسر شمال كسرة جامدة.
هنا كان عيال النجع بيخافوا ويكملوا..
هنا الهوا بيبقى تلج..
هنا حتى الرجالة
بس رضوى كانت بتكمل.
وعند اللفة دي، ورا صخرة جرانيت ضخمة واقعة من السقف، كانت فيه فتحة ضيقة، مستحيل حد يشوفها إلا لو كان بيدور عليها.
أمها كانت عارفاها.
وقبل ما تموت بتلات أسابيع، وهي بتصارع النفس، الست جليلة مسكت إيد بنتها بقوة غريبة وهمست بكلام رضوى مفهمتوش ساعتها
لما الدنيا تضيق بيكي ويقولوا ملكيش ورث.. روحي للمكان اللي الحجر فيه لسه فاكر صاحبه.
رضوى افتكرت إن ده هزيان من السخونية..
لحد ما لقت الخريطة متخيطة في بطانة توب أمها القديم.
ولحد ما مشيت وراها..
ولحد ما زقت الصخرة..
وشافت اللي مستخبي وراها.
ده مش مجرد ممر في منجم.. ده سرداب قديم.
مبني بإيدين مكنتش بتدور على دهب.
السرداب بيوصل لغرفة واسعة من الحجر، مقفولة عن الدنيا كلها، بس حية بحاجة مستحيلة.
ملاذ سري في بطن الجبل.
وفي نص الغرفة، وتحت شعاع شمس رفيع جاي من شقوق عالية في سقف الجبل، كان فيه حاجة بتكبر.
مش حشيش ولا صبار..
دي أحواض.. أحواض منظمة..
فرش طمي متحدد بالحجر..
قنوات فخار بتوصل المية نقطة بنقطة..
رفوف خشب قديمة على الحيطان.
مكان معمول عشان النجاة.
مكان فيه حد جهزه قبل ما رضوى تتولد بكتير.
أول مرة شافت المكان، رضوى وقعت على ركبها وعيطت بحرقة، وفحمة لزق فيها ومحاولش يتحرك.
ساعتها فهمت..
أمها مسبتهاش للريح.. أمها سابت لها سر.
وطول الصيف، والنجع بيقول عليها عبيطة ومجنونة، رضوى كانت بتعمر الملاذ.
تشيل طمي.. تزرع تقاوي.. تنضف قنوات المية.
تصلح الرفوف.. وتجيب اللمض والقماش والصبر.
جزر.. بنجر.. فاصوليا..
وأعشاب طبية أمها
أكل بيطلع في ضل خفيف..
أكل مفيش حد يقدر يسرقه منها.
كل شتيمة سمعتها في