خيانة في عز الازمة حكايات انجى الخطيب
وبيجري عليها ماما! شوفي خدت الحزام الجديد!
ليلى شالته ولفّت بيه وهي بتضحك من قلبها مبروك يا بطل، ده أنت اللي هتسندني بجد.
قعدوا ياكلوا مع بعض في هدوء وسكينة، وفي اللحظة دي، النور قطع في المنطقة كلها إلا شقة ليلى، لأنها كانت مجهزة كشافات طوارئ وشاحنة كل حاجة بذكاء. قعدت في الضوء المنور وسط العتمة اللي حواليها، تفتكر اليوم اللي كانت قاعدة فيه في المطبخ الضلمة بتعيط.
بصت لمروان وقالت له عارف يا حبيبي؟ مفيش حد بيصلح حنفية قلبك لما تتكسر غيرك أنت.
مروان بصلها ببراءة وقال يعني إحنا مش محتاجين حد يصلح لنا حاجة يا ماما؟
ليلى باست راسه وقالت بيقين لا يا حبيب ماما، إحنا اتعلمنا نصلح كل حاجة بنفسنا، واللي بيتصلح بالإيد، مبيتحنيش لأي حد تاني.
نام مروان، ودخلت ليلى بلكونتها، شافت دياب واقف بعيد تحت عمود النور، باصص لشباكها المنور بحسرة، وشنطته لسه في إيده كأنها لعنة مرافقة له. ليلى مشفقتش عليه، ولا كرهته، هي ببساطة.. مابقتش شايفاه. سحبت الستارة، طفت النور، ونامت في أمان، وهي عارفة إن بكرة شمس جديدة هتطلع، شمس هي اللي بتتحكم في نورها.
بعد سنة كاملة من اليوم ده، كان فيه احتفال صغير في أتيليه ليلى للحلويات. المكان كان شيك، ريحة الفانيليا والورد مالية الأجواء، وصور نجاح ليلى وتكريمها كأفضل مشروع متناهي الصغر في المنطقة مالية الحيطان.
ليلى كانت واقفة لابسة فستان هادي ومنسق، ملامحها بقت أرقى وأهدى، وفوق كدا، الثقة في عينيها كانت تخليك تحس إنها ملكة في مملكتها. دخلت عليها مروة، طليقة دياب، بس المرة دي كانت داخلة بابتسامة حقيقية، مش مكسورة زي زمان.
مبروك يا ليلى، تستاهلي كل خير والله، قالت مروة وهي بتقدم لها بوكيه ورد. أنا لسه شايفة دياب الصبح.. شغال مندوب مبيعات، بيلف في الشوارع بشنطة تقيلة وشكله عجز عشرين سنة. لما شافني حاول يكلمني، بس أنا حتى موقفش أسمعه. حبيت بس أطمنك إن الدواير بتلف، والوجع اللي سكن قلوبنا زمان، هو دلوقت اللي عايش فيه.
ليلى ردت بهدوء وهي بتعدل مفرش التربيزة تعرفي يا مروة؟ أنا مبقتش مهتمة أعرف هو فين ولا بيعمل إيه. دياب بالنسبة
مروان دخل الأتيليه وهو ماسك شهادة تقدير من المدرسة، وجري على ليلى ماما! المس قالت إني أشطر واحد، وإني طالع لأمي في الذكاء!
ليلى ضحكت ورفعته لفوق، وفي اللحظة دي، عينها جت على شاشة التليفزيون اللي في الركن، كان فيه تقرير عن نجاح المرأة المصرية وقدرتها على التحدي. ليلى حست إن الكلام ده مكتوب عشانها هي.
وهي بتطفي أنوار الأتيليه بالليل بعد ما خلصت الحفلة، لقت رسالة جاتلها على الموبيل من رقم دياب.. بس المرة دي كانت الرسالة عبارة عن صورة لإيده وهي ماسكة مفتاح ربط قديم، وتحتها جملة كنت فاكر إني بصلح بيوت الناس، وطلعت أنا اللي محتاج تصليح من جوايا.. سامحيني.
ليلى ماردتش، ولا حتى مسحت الرسالة. هي سابتها للذكرى، عشان تفضل فاكرة إن اللي بيظلم بيجي عليه يوم يتمنى فيه نظرة رضا من اللي ظلمهم. خرجت من المحل، قفلت الباب، وبصت للسما اللي كانت منورة بنجوم صافية.
ركبت عربيتها الجديدة، ومروان جنبها بيحكي لها عن أحلامه إنه يبقى مهندس كبير يبني بيوت حقيقية مابتتهدش. ضحكت ليلى ودورت العربية وهي بتقول له هتبنيها يا حبيبي، بس أهم حاجة تبنيها على الصدق، عشان البيت اللي أساسه كذب.. أول ما الحنفية فيه بتنقط، السقف كله بيقع على دماغ صاحبه.
ومشيت العربية في شوارع القاهرة المنورة، تاركة وراها حكاية ست عرفت إن القوة مش في الصبر على الإهانة، القوة في قص الحبل اللي بيربطنا بالماضي، والبدء من جديد بقلب ملوش صاحب غير نفسه.
السنين دارت، ومروان كبر وبقى راجل بجد، مش مجرد سنين بتعدي. ليلى كانت قاعدة في فرحه، لابسة فستان فخم وهادي، ملامحها لسه شايلة الوقار والجمال اللي مبيكبرش، عينيها كانت بتلمع وهي شايفاه واقف بالبدلة جنب عروسته، ست رقيقة اختارها بقلبه وعقله.
وفجأة، وسط الزحمة والمعازيم، ليلى لمحت راجل عجوز واقف بعيد عند باب القاعة. شعره أبيض تماماً، ضهره محني، وهدومه، رغم إنها نضيفة، بس باين عليها الفقر والكسرة. كان واقف بيبص لمروان بدموع،
دياب.. اللي كان في يوم من الأيام فاكر إن الدنيا ملكه، وإنه يقدر يرمي دي ويقضي سهرته عند دي، واقف دلوقت غريب في فرح ابنه الوحيد. ليلى قامت من مكانها ببطء، مشيت ناحيته بخطوات واثقة. لما قربت منه، دياب نزل عينه في الأرض من الكسوف، صوته طلع مرعش مبروك يا ليلى.. مروان بقى عريس زي القمر، طالع لك يا أصيلة.
ليلى بصت له نظرة أخيرة، مكنش فيها غل، كان فيها شفقة. قالت له بهدوء الله يبارك فيك يا دياب. كان نفسي أقولك ادخل سلم عليه، بس ابني النهاردة فرحان، ومحبش أفكرُه بوجع قديم هو نسيه من زمان. مروان فاكر إن والده مسافر لمكان ملوش رجوع، خليك أنت المسافر ده، وسيبه يعيش يومه.
دياب هز راسه بوجع، وطلع من جيبه علبة قطيفة قديمة ومهلوكة، قدمها لها بإيد بتترعش دي حاجة بسيطة.. كنت شايلها له من سنين، قولي له إنها هدية من فاعل خير.
ليلى خدت العلبة، فتحتها لقت جواها ساعة قديمة ماركة غالية، كانت ملك لوالد دياب. قفلت العلبة وقالت له هتوصل له يا دياب.. بس باسمك، مش باسم فاعل خير. مروان دلوقت بقى راجل يقدر يسامح، بس مقدرش ينسى.
دياب لفت ضهره ومشي وهو بيجر رجليه، وفي اللحظة دي مروان جه من ورا ليلى وحط إيده على كتفها ماما؟ مين الراجل اللي كنتي واقفة معاه ده؟
ليلى بصت في عين ابنها، وابتسمت ابتسامة صافية ده واحد يا حبيبي كان بيصلح مواجع قديمة، والنهاردة قدر يقفل الحساب.
مروان مألحش في السؤال، خد إيدها وطلع بيها على الكوشة عشان يتصوروا. ليلى وهي واقفة جنب ابنها وعروسته، والاضواء كلها عليهم، حست إن دي أعظم تورتة صنعتها في حياتها، تورتة الصبر والكرامة.
النهاية مكنتش بس في قفل باب قديم، النهاية كانت في إن ليلى عرفت تربي راجل، عمره ما هيسيب حنفية بيته تنقط وجع، ولا هيسيب مراته تصرخ من البرد وهو بيدور على دفى كذاب في بيت تانية.
وانتهى الفرح، والشوارع فضيت، وليلى رجعت بيتها، قلعت عقد اللولي وحطته قدامها. بصت لنفسها في المراية وقالت خلاص يا ليلى.. الرسالة وصلت، والبيت اللي بنيتيه على نضيف، هيفضل منور بالأصل. وطفت النور، ونامت وهي مطمنة إن
عدى كام شهر على فرح مروان، والحياة رجعت لهدوئها الجميل. ليلى كانت قاعدة في بلكونتها، بتشرب قهوتها الصبح وهي بتبص على الزرع اللي مالي المكان. فجأة، جرس الباب رن. فتحت، لقت مروان ومراته هنا داخلين وهما شايلين شنط سفر.
في إيه يا ولاد؟ مسافرين
ولا إيه؟ سألت ليلى باستغراب.
ليلى ضحكت وحست إن ده أجمل تعويض عن سنين التعب. وهما في الطريق، مروان كان سايق بحرص، وكل شوية يبص ل هنا ويطمن إنها مرتاحة، ويعدل لها التكييف. ليلى كانت مراقبة المشهد من ورا، وقلبها بيرقص من الفرحة. مروان مطلعش زي أبوه؛ مروان طلع النسخة النضيفة اللي هي زرعتها فيه.
وصلوا البحر، وليلى وقفت قدام المية الزرقاء الصافية، وسرحت في كل اللي فات. افتكرت ليلة السخونية، وافتكرت ريحة الفانيليا الكدابة، وافتكرت وقفتها قدام دياب وهي بتطرده. حست إن البحر غسل آخر ذرة وجع كانت باقية جوه روحها.
تليفونها رن، لقت رسالة من مروة طليقة دياب ليلى، حبيت أقولك إن دياب اتوفى النهاردة الصبح في الأوضة اللي كان مأجرها. مات لوحده يا ليلى، والجيران هما اللي اتصرفوا. أنا مش حزينة عليه، أنا بس اتأكدت إن اللي بيضيع أهله، الدنيا ب تضيعه في الآخر.
ليلى نزلت التليفون من إيدها، وبصت للسما. مابكتش، ولا شمتت. هي بس حست إن العدل كمل دايرته لآخر نقطة. نادت على مروان يا مروان! تعالى يا حبيبي.
مروان جه جري نعم يا ماما؟
قالت له بهدوء عايزاك النهاردة تطلع صدقة جارية، بنية إن ربنا يسامح أي حد ظلمنا في يوم من الأيام.. إحنا خلاص نفوسنا رضيت، والحساب بقا عند اللي مبيظلمش.
مروان بصلها بفخر، وهز راسه بالموافقة. ليلى غمضت عينيها واستنشقت ريحة اليود وهوا البحر، وحست إنها أخيراً بقت خفيفة زي الريشة.
النهاية مكنتش في موت دياب، ولا في نجاح ليلى بس.. النهاية الحقيقية كانت في الصورة اللي اتصورتها ليلى مع مروان ومراته قدام الغروب؛ صورة لبيت متبني على الأصل و الرحمة، بيت حنفياته مبقتش بتنقط وجع، وسقفه بقى بيحمي من أي مطر.. بيت أخيراً، بقى فيه رجل بجد، وأم عرفت تزرع الحب وتحصد
تمت
حكايات انجى الخطيب