خيانة في عز الازمة حكايات انجى الخطيب
المحتويات
عندي من يوم ما ساب هنا، وقالب حياتي جحيم. مبيعملش حاجة غير إنه يشتكي منك ومن نكدك، وفي نفس الوقت بياكل أكلي وينام ويقوم يأمر وينهي، والسباكة اللي جه يصلحها؟ باظت تاني يوم والبيت غرق بجد ولما طلبت منه يشوفها زعقلي وقالي أنا مش سباك أبوكي. ليلى ضحكت بوجع، ومروة كملت أنا عرفت اللي حصل مع ابنك يومها، دياب كذاب يا ليلى، هو مكنش بيصلح حاجة، هو كان قاعد بيتفرج على الماتش وبياكل كيكة ولما موبايله رن قدامي وشفت اسمك، قالي دي ليلى بتدلع وعايزة تجرجرني للبيت.
ليلى حست إن الدنيا بتدور بيها، الغدر مكنش بس في التقصير، ده كان في التخطيط. مروة مسكت إيد ليلى وقالت لها أنا جاية أقولك إننا الاتنين كنا مجرد محطات في حياته، هو بيحب نفسه بس، وعايز الست اللي تريحه والست اللي تخدمه، وأنا قررت أطرده من بيتي النهاردة ومن حياتي للأبد.. وجيت أقولك متضعفيش لو رجع يمثل دور الضحية.
يومين ودياب كان واقف تحت البيت، شايل شنطة هدومه وباقة ورد دبلانة، ووشه فيه علامات التعب والبهدلة. ليلى نزلت له الشارع، وقفت قدامه بكل شموخ، من غير ما تخليه يخطو خطوة واحدة جوه المدخل. دياب بدأ يتكلم بلهفة ليلى حبيبتي، أنا غلطت، مروة دي ست فتانة وخربت بيتي وبيتكم، أنا عرفت قيمتك يا أصيلة، مروان واحشني أوي، افتحيلي صفحة جديدة.
ليلى بصت له وابتسمت ابتسامة هادية ورايقة، ابتسامة حد رمى حمل تقيل من على كتافه دياب، الورد ده خليه معاك، وروح لفه على أي بيت تاني محتاج سباك بالقطعة، لأن البيت ده بقى فيه ست ب مية راجل، وابنك اللي كنت بتقول عليه قرد كبر في أسبوع وفهم إن أبوه كان مجرد خيال مآتة. سحبت من جيبها ظرف فيه
ليلى سابته واقف في نص الشارع والناس بتبص عليه وهو مش فاهم إزاي الست القوية اللي كان بيستغل قوتها عشان يظلمها، هي نفسها اللي استخدمت قوتها عشان تنهيه من حياتها بضربة قاضية. لفت وشها وطلعت سلم بيتها وهي بتغني لمروان، والباب اتقفل المرة دي تكة الكلون بتاعته كانت موسيقى بتعلن بداية حياة جديدة، مفيش فيها ريحة خل ولا ريحة خيانة، بس ريحة حرية.
دياب فضل واقف مكانه والشنطة في إيده، مذهول من الهدوء اللي ليلى اتكلمت بيه. كان فاكر إنها هتصرخ أو تعيط، والساعتها كان هيعرف يثبتها بكلمتين، لكن الروقان اللي هي فيه ده كان أخطر بكتير. سابته وطلعت، وهو فضل يبص لباب العمارة اللي اتقفل في وشه، وحس لأول مرة بسقعة الشارع بجد.
ليلى أول ما دخلت شقتها، قلعت الشوز ورمت مفاتيحها على التربيزة. الشقة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت مروحة صغيرة وصوت نَفَس مروان المنتظم وهو نايم. مروان اللي كان من أسبوع بين الحياة والموت، النهاردة وشه رد فيه الدم وعرق السخونية اختفى، وحل محله ريحة بودرة الأطفال والنضافة.
دخلت المطبخ، مابصتش على البوتجاز ولا شافت المواعين بعبء زي كل مرة. فتحت الشباك، الهوا المنعش دخل طير الستارة، وبدأت تعمل لنفسها كوباية شاي بالنعناع بمزاج. وهي واقفة بتصب الشاي، تليفونها نور برمز رسالة.. كانت من مروة.
طردته، والشنطة بتاعته لسه مرمية قدام الباب، الجيران بدأوا يتفرجوا عليه. شكراً يا ليلى، لولا وقفتنا
ليلى ابتسمت وقفلت الموبيل. قعدت في البلكونة، بصت للسما الصافية وحست بوزن تقيل انزاح من فوق صدرها. اكتشفت إن السباكة اللي كانت محتاجة تتصلح مكنتش في بيت مروة، ولا في حنفية مطبخها.. السباكة كانت في حياتها هي، في الماسورة اللي كانت بتسرب عمرها ومجهودها ومشاعرها لواحد ميستحقش، والنهاردة هي قفلت المحبس العمومي للأبد.
فجأة سمعت صوت مروان بينادي ماما بصوت ناعم. دخلت له الأوضة، لقت عينه مفتوحة وبيضحك لها. شالته وضمته بقوة، شمت ريحته اللي هي أغلى عندها من كل كنوز الدنيا. مروان مسك خصلة من شعرها وشدها وهو بيضحك، ليلى بصت لصورة والده اللي كانت مكسورة على الأرض، وشافت إن الإطار الخشب بتاعها انقسم نصين، بس صورة مروان اللي كانت جواها فضلت سليمة ومنورة.
خدت الصورة السليمة وحطتها في برواز جديد كان عندها، وعلقته في صدر الصالة. النهاردة البيت ده بقى ملكها وملك ابنها وبس. قاسي اتعلمت منه إن الست القوية مش هي اللي بتشيل فوق طاقتها وتسكت، الست القوية هي اللي بتعرف امتى تسيب الحمل اللي بيهد ضهرها وتمشي وهي راسها مرفوعة.
ومع أول خيوط شمس الصبح، ليلى لبست ونزلت شغلها وهي سحبة مروان في إيدها، والضحكة على وشها حقيقية لأول مرة من سنين. الحكاية مخلصتش بوجع، الحكاية بدأت بنضافة، والشارع اللي كان دياب واقف فيه بيحاول يتمسكن، بقى هو نفسه الشارع اللي ليلى مشيت فيه وهي بتخطط لمستقبل مروان، من غير ما تبص وراها ولو لمرة واحدة.
مرت الشهور، والشقة اللي كانت زمان خانقة وريحتها مرض ونكد بقت جنة صغيرة بتبرق بنضافة الراحة النفسية. ليلى مكنتش بس بتشتغل
في يوم، ليلى كانت واقفة في المطبخ بتزين تورتة كبيرة لزبونة، تليفونها رن برقم غريب. ردت بهدوء، جالها صوت مكسور، شاحب، لدرجة إنها معرفتوش في الأول ليلى.. أنا دياب.
سكتت ليلى لحظة، كملت بتزين التورتة بإيد ثابتة وقالت نعم يا دياب؟ عايز إيه؟
صوته كان فيه رعشة أنا تعبان يا ليلى.. مرمي في أوضة فوق السطوح، مروة رفعت عليا قضية نفقة وحجزت على كل اللي ورايا واللي قدامي، والشغل مشوني منه عشان المشاكل.. أنا ماليش غيرك يا أصيلة، مروان واحشني، عايز أموت في بيتي وسطكم.
ليلى سحبت نفس طويل، بس المرة دي مكنش نفس مخنوق، كان نفس فيه شموخ بيتك؟ أنت بيتك كان في كل مكان يا دياب إلا هنا. بيتك كان في المواجع اللي سبتهالي، وفي حرارة ابنك اللي هونت عليك. ومروان دلوقت في التمرين، مبيفتكرش حد بالاسم ده، هو يعرف إن ليه أم ب مية راجل هي اللي سنداه.
دياب بدأ يعيط يا ليلى ارحمي، أنا جوزك، مهما حصل بينا..
قطعت كلامه بكلمة زي السيف كنت جوزي.. دلوقت أنت غريب والطلبات للغرباء ممنوعة. لو فعلاً تعبان، اطلب الإسعاف، زي ما أنا طلبتها لابني وأنا بترعش وأنت بتكنسل عليا. الدنيا سلف ودين يا دياب، والديّن اللي عليك طلع تقيل أوي.
قفلت السكة قبل ما تسمع رده، وعملت للرقم بلوك نهائي. مسحت إيدها في الفوطة وبصت لنفسها في مراية المطبخ. شافت ست تانية خالص، عينيها بتلمع، وشها مرتاح، وصغر عشر سنين.
الباب انفتح ودخل مروان وهو
متابعة القراءة