سر الام المفقود حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

بالذات عشان يفتحها؟ النهاية الصادمة اللي هتقلب موازين الحكاية كلها في الجزء الجاي..
جوه الخزنة، مكنش فيه ورق ولا آثار.. كان فيه مراية كبيرة مبروزة بفضة قديمة، وقدامها صورة لأمي ست الحسن وهي ماسكة طفل صغير غيري أنا ونور، طفل لابس لبس غالي جداً وفي رقبته نفس السلسلة اللي معايا.. وتحت الصورة كان فيه شهادة ميلاد باسم ياسين عثمان الراوي.
الدنيا دارت بيا، وبصيت لعثمان اللي كان واقف ورايا وبكل هدوء حط إيده على كتفي وقال بصوت فيه نغمة غريبة أنا مش عمك يا ياسين.. أنا أبوك الحقيقي، ومنصور اللي كنت فاكره أبوك مكنش غير غفير عندي، ائتمنته على مراتي وابني عشان أحميهم من أعدائي، لكن الخسيس طمع في مراتي وفي اسمي، واتفق مع كريمة عشان يخلصوا مني ومن أمك ويورثوا كل حاجة.
وقعت على ركبي والعلبة الصفيح اتفتحت، وقع منها جواب تاني كان مستخبي تحت الورق الأصفر، بخط أمي برضه بس المرة دي كان فيه اعتراف يهد الجبال يا ياسين، لو وصلت لهنا يبقى عرفت إنك مش ابن منصور.. منصور كان السجان اللي حابسنا، وعثمان كان الحب اللي ضاع بسبب الغدر.. السرداب ده فيه جثة منصور الحقيقي، اللي عثمان قتله يوم ما رجع عشان ينتقم لي، ومن يومها وعثمان عايش في الضلمة ومستني اللحظة اللي تفتح فيها الخزنة، عشان تطلّع السم اللي هينتقم به من العزبة كلها.
بصيت لعثمان برعب وقولتله يعني أنت قتلت منصور؟ وأمي كانت عارفة؟
عثمان ضحك ضحكة جنونية وفتح المراية، ووراها كان فيه محبس كبير.. المحبس ده يا ياسين، بيفتح ماسورة الغاز اللي ماشية تحت العزبة كلها.. النهاردة، العزبة دي هتتحول لرماد، عشان ميبقاش فيه شاهد واحد على اللي حصل لأمك، وعشان نبتدي
أنا وأنت ونور حياة جديدة بأسماءنا الحقيقية.
الراجل العجوز اللي دخلني السرداب صرخ فجأة متسمعش كلامه يا ياسين! عثمان هو اللي قتل أمك لما رفضت تهرب معاه وتشارك في خطته! هو المجرم الحقيقي!
في اللحظة دي، سمعت صوت نور وهي بتصحى وبتناغي، وبصيت للمحبس وبصيت لعثمان اللي كان مطلع ولاعة وبيقربها من المحبس وهو عينه مبرقة.. كنت بين نارين، نار الراجل اللي بيقول إنه أبويا وعايز يحرق الدنيا عشاني، ونار الحقيقة اللي بتقول إن كل اللي في العزبة دي ضحايا للعبة دم قديمة.
إيدي راحت على المحبس، وعيني كانت على نور.. تفتكروا ياسين هيقفل المحبس ويواجه أبوه، ولا هيفتح الغاز ويحرق العزبة باللي فيها ويخلص من وجع السنين؟
النهاية مكنتش مجرد كلمة، النهاية كانت تكة المحبس اللي قرر فيها ياسين ينهي أسطورة عيلة الراوي للأبد.. بس بطريقته هو.
مسكت المحبس بكل قوتي، وصوت نهجي كان مسموع في السرداب كله.. عثمان كان بيبص لي بنظرة كلها جنون ومنتظر مني تكة واحدة تولع في الدنيا، والراجل العجوز كان بيصرخ فيا اوعى يا ابن ست الحسن!.
بصيت لنور أختي، البنت اللي شلتها على كتافي وسط التلج والجوع، البنت اللي مكنتش ذنبها إنها اتولدت في عيلة غرقانة في الدم والكذب.. لو فتحت الغاز، أنا هبقى قاتل زيهم، ولو قفلته، هعيش هربان طول عمري من جبروت عثمان الراوي.
يا ياسين.. اخلص! صرخ عثمان والولاعة في إيده بتطلع شرار.. احرق الماضي عشان تعيش سيد في المستقبل!
في اللحظة دي، مديت إيدي وفكيت السلسلة من رقبتي، السلسلة اللي فيها المفتاح، وبصيت لعثمان وقولتله بصوت هادي وبارد زي التلج اللي كنا فيه الصبح أمي ماتت وهي بتحاول تحمينا منكم كلكم.. والنهاردة،
أنا اللي هحمي نور منك.
وبدل ما أفتح المحبس، حدفت السلسلة والمفتاح بكل قوتي في وش عثمان، وبحركة سريعة سحبت نور وجريت ناحية الفتحة اللي دخلنا منها مع الراجل العجوز.. عثمان انشغل بالسلسلة اللي وقعت، وفي اللحظة دي الراجل العجوز زق حجر كبير كان ساند سقف السرداب المتهالك أصلاً من الحفر القديم.
اجري يا ياسين! اجري ومتبصش وراك!
السرداب بدأ ينهار، وصوت صريخ عثمان وهو بيحاول يمسك السلسلة كان بيزلزل الأرض تحت رجلينا.. طلعت للمقابر وأنا بشد نفسي بالعافية، وأول ما راسي لمست الهوا، سمعت صوت انفجار مكتوم تحت الأرض، وكأن الأرض بلعت عثمان وسره وشرّه للأبد.
وقفت بعيد وأنا شايل نور، وشفت العزبة من بعيد وهي هادية.. عثمان مقتلش حد بالغاز، بس هو اللي اندفن تحت البيت اللي كان عايز يورثه بالدم.. الراجل العجوز اختفى وسط المقابر وكأنه كان طيف بعته ربنا عشان ينقذنا..
النهار بدأ يشقشق، والشمس طلعت دافية لأول مرة من سنين.. مكنش معايا ورق أرض، ولا دهب، ولا حتى السلسلة اللي كانت ذكرى أمي.. بس كان معايا نور، وكان معايا الحرية.
مشيت وأنا مش عارف هروح فين، بس عارف إني مش هرجع ياسين الراوي تاني.. أنا هبقى ياسين وبس، اللي بدأ حياته بكلمة البنت المؤدبة تنام وهي جعانة، وهينهيها بكلمة احنا مش هنجوع تاني يا نور.. ولا هنخاف من حد واصل.
وبينما أنا ماشي، لمحت في جيب الجاكيت القديم اللي كان العم جابر إداهولي، ورقة صغيرة كانت مستخبية.. فتحتها ولقيت فيها جملة واحدة بخط خالي مهران لو نجوت.. روح لعنوان الست اللي في الورقة دي، دي خالتك اللي أمك هربتها زمان، ومعاها الأمانة الحقيقية.
ضحكت بوجع، وعرفت إن الحكاية مخلصتش، وإن
المشوار لسه طويل.. بس المرة دي، أنا اللي هكتب السطور الأخيرة.
الورقة كان مكتوب فيها عنوان في حي القلعة في القاهرة، ومكتوب تحت العنوان اسأل عن الست عزيزة صاحبة مصنع النسيج.. بصيت ل نور اللي بدأت تفتح عينيها وتضحك للشمس، وحسيت إن قلبي أخيرًا لقى مرساه.
خدت أختي وركبنا القطر المتجه للقاهرة، القطر اللي كان بيبعدنا عن ذكريات الدم والوجع ويقربنا من المجهول.. طول الطريق وأنا بلمس جيبي، بتأكد إن الورقة لسه موجودة، وكأنها طوق النجاة الأخير.
وصلنا القاهرة وزحمتها اللي تخطف القلب، وبعد تعب وسؤال، وصلت لبيت قديم بس هيبته تخوف في قلب القلعة.. خبطت على الباب الكبير، فتحت لي ست ملامحها قاسية بس عينيها فيها طيبة الدنيا كلها، أول ما شافتني اتسمرت مكانها والدموع جرت على خدها من غير ولا كلمة.
ياسين؟ أنت ابن ست الحسن؟
هزيت راسي وأنا مش قادر أنطق، الست عزيزة سحبتني هي ونور لحضنها وكأنها كانت مستنيانا من دهر.. دخلنا البيت وشوفت صور لأمي في كل مكان، بس صور وهي بتضحك، صور مكنش فيها أثر للحزن اللي شفته في عزة الراوي.
عزيزة قعدت قدامي وطلعت صندوق خشب مطعم بالصدف وقالت لي خالك مهران هربني زمان لما عرف إن عثمان ومنصور ناويين يصفوا العيلة كلها عشان الورث.. أمك بعتتلي معاه حجج الأراضي الأصلية، والدهب اللي ورثته عن جدتك، وقالت لي لو ياسين جالك، يبقى الحقيقة ظهرت، ويبقى الوقت جه عشان يرجع يطهر العزبة من ولاد الراوي.
بصيت للصندوق وقولت لها أنا مش عايز أرجع هناك تاني يا خالتي، أنا عايز نور تعيش في أمان.
عزيزة ابتسمت وقالت لي الأمان يا ابني مش في الهروب، الأمان في إنك تاخد حقك بالقانون وتكسر عين اللي ظلموك.
. الأراضي دي دلوقتي تساوي
تم نسخ الرابط