النية الصافية كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

عقد الوجع والنيّة الصافية
كانت هنا بتضم ابنها اللي لسه مكملش ست شهور لصدرها بكل قوتها، وعينيها مثبتة على الراجل اللي قدامها بمزيج غريب من قلة الحيلة والإصرار. اللحظة دي هي اللي هتحدد يا إما تلاقي سقف يحميها هي وابنها، يا إما الدنيا تضيق بيها أكتر ما هي ضيقة.
يا أستاذ أحمد، أنا عارفة إن حضرتك محتاج حد يراعي التوأم طول النهار.. قالت الجملة دي وصوتها ثابت رغم إن إيديها كانت بتترعش من جوه. وأنا محتاجة إيد تساعدني في شقا الأرض اللي حيلتي.. إيه رأيك لو عملنا اتفاق؟
أحمد بص لها بشك وقلق، هو ياما شاف ناس بتيجي تعرض خدماتها لما يعرفوا إن الراجل مبسوط وعنده أملاك وهو لوحده. بس هنا كان فيها حاجة مختلفة، في عينيها لمعة كبرياء مجروح رغم الحاجة اللي باينة عليها.
اتفاق إيه يا ست هنا؟.. سألها وهو بيحاول يظبط شيلته للطفلين اللي على إيده بصعوبة.
أنا أشيل عنك هم البيت.. أراعي الولاد، أطبخ لقمة نضيفة، وأخلي البيت زي الفل. وفي المقابل،

حضرتك تساعدني في ترميم سقف بيتي، وتراعي معايا الأرض، وتصلح اللي مقدرش أصلحه لوحدي.. كلمة بكلمة، وحق بحق.
أحمد ابتسم بسخرية وسألها وطب وأنا إيه اللي يجبرني؟ ما أنا ممكن بقرشين أجيب أي ست من البلد هنا تخدم العيال والبيت!
هنا حست بوجع الكلمة، بس فضلت واقفة زي الشجر متهزتش. كانت عارفة إن مفيش ست في عزبة الأمل كلها هترضى تعتب باب بيته بعد الإشاعات والكلام اللي طلع على اختفاء مراته فجأة.
ردت عليه بحدة خفيفة جرب يا أستاذ أحمد.. بس حضرتك عارف إن ستات البلد بيخافوا من البيت ده، وبيخافوا من الكلام اللي بيتقال عليه. أنا بقى معنديش رفاهية الخوف.. أنا عندي طفل محتاج يعيش.
الصراحة اللي وجعتها دي لمست وتر عنده. هو فعلاً لاحظ نظرات الناس، والنسوان اللي بيخبوا عيالهم لما يشوفوه ماشي بالتوأم في الشارع. تنهد بضيق وسألها عشان يغير الموضوع وأنتِ ساكنة فين؟
في بيت أبو رياض اللي ورا الساقية.. ورثته عن جدتي. بيت صغير وحتة أرض، بس السقف
بيخر والحيطان بدأت تقع، ومقدرش أشيل طوبة ولا أزرع شتلة وأنا شايلة ياسين على كتفي.
أحمد بص ل ياسين، الطفل اللي كان بيبص للدنيا بعيون واسعة وكله فضول. في اللحظة دي، مكنش بيشوف مجرد اتفاق شغل، كان بيشوف روحين تايهين بيدوروا على مرسى في وسط العاصفة.
أحمد سكت لحظة، بص لولاده اللي مش مبطلين زن، وبص ل ياسين اللي نايم في حضن أمه بهدوء غريب، كأنه حاسس بالأمان رغم العاصفة اللي حواليهم.
الفصل الثاني أول خطوة على الطريق
أحمد خد نفس طويل وطلعه ببطء، وقال بصوت هادي ماشي يا هنا.. أنا موافق. بس خلي بالك، أنا طبعي صعب، ومبحبش الكلام الكتير، والبيت ده له أصول.
هنا حست بجبل انزاح من على صدرها، ملامحها هديت لأول مرة وقالت وأنا ست ماليش في القيل والقال، أنا جاية أشتري كرامتي بشغلي، مش جاية أتسول.
اتفقوا إنها تبدأ من الفجر. أول ما الشمس شقشقت، كانت هنا قدام باب بيته الكبي، لافة ياسين بملائة على ضهرها وبدأت شغلها زي الخلية. في ساعات قليلة،
ريحة خبيز طازة ملت المكان، والتراب اللي كان مغطي العفش اختفى، والتوأم اللي كانوا دايمًا بيعيطوا، هديوا تماماً وهي بتغني لهم مواويل قديمة بصوت واطي ودافئ.
أحمد كان بيراقبها من بعيد وهو مستغرب. الست دي مش بس بتشتغل، دي بتدب الروح في الجماد. دخل المطبخ لقاها مجهزة صينية فطار بسيطة بس تفتح النفس.
أنا خلصت ترتيب الدور الأرضي، وفطرت العيال ونيمتهم.. قالتها وهي بتمسح عرقها بطرف طرحتها. دلوقتي جه دور الاتفاق.. سقف بيتي يا أستاذ أحمد، الخشب سوس والشتوية داخلة، ولو المطر نزل، ابني مش هيلاقي غطا.
أحمد محاولش يتهرب، شال عدته وراح معاها بيت الساقية. لما وصل هناك، قلبه وجعه. البيت كان فعلًا على اللحم، حيطان مشققة وسقف عبارة عن جريد نخل متهالك. عرف وقتها إن تحدي هنا مكنش مجرد كلام، دي كانت بتحارب الموت عشان خاطر ابنها.
بدأ أحمد يشتغل بجدية، يرفع العروق الخشب ويثبت القواعد، وهنا كانت بتناوله المونة وتساعده بقلب جامد. وفي وسط الشغل،
سألها فجأة من غير
تم نسخ الرابط