الجدة الطالمة حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

للشمس اللي بدأت تملا الأوضة، وعرفت إن المشوار لسه طويل في المحاكم والمشاكل، بس مكنتش خايفة. القطة اللي كانت بتخاف من خيالها، النهاردة بقى لها مخالب.. ومن النهاردة، مفيش كبيرة في البيت ده غير الأم اللي بتحمي ضناها، وأي حد تاني.. هو والعدم واحد.
بعد يومين، خرجت من المستشفى وأنا شايلة نور كأني شايلة حتة من قلبي خايفة عليها من الهوا. كان أحمد مستني قدام البوابة، شكله بقى يصعب على الكافر، دقنه طولت وعينيه دخلت لجوه، جيه يقرب عشان يشيل الشنطة مني، رجعت خطوة لورا وبصيت له بجمود ماتلمسش حاجة تخصنا.. أنا طلبت أخويا وجاي في الطريق ياخدني على بيت بابا.
أحمد صوته اتحشر في زوروه يا منى، البيت فضي عليا.. أمي في الحجز ومستنية العرض على النيابة، والبيت ملوش طعم من غيركم، بلاش تهدّي كل حاجة في لحظة غضب.
وقفت مكاني وبصيت له بعين واعية لأول مرة لحظة غضب؟ إنت فاكر إن اللي حصل ده مجرد نرفزة؟ دي كانت فاتورة سنين من الذل، كنت بتسيبها تكسر فيا وتقول معلش دي ست كبيرة، كنت بتشوفها بتهين كرامتي وتعمل نفسك مش سامع.. بس لحد ضنايا يا أحمد، والخطوط الحمراء بتتحول لنار تحرق الكل.
في اللحظة دي، عربية أخويا محمود وقفت، نزل منها وعينيه بتقدح شرار، بص لأحمد بصة خلت أحمد يطأطأ راسه للأرض. محمود خد مني الشنطة وركبني العربية وبص لأحمد وقال له حق أختي وبنتها هناخده بالقانون، والبيت اللي دخلته عزيزة، مش هترجع له ذليلة.. الحساب بينا في المحكمة.
طول الطريق وأنا باصة من شباك العربية، الشوارع كانت زحمة والناس بتجري، وأنا حاسة إني اتولدت من جديد. لما وصلت بيت بابا، أمي استقبلتني بالدموع والحضن اللي كان وحشني، الأوضة اللي كبرت فيها كانت لسه زي ما هي، ريحتها أمان.
نيمت نور على السرير، وبدأت أفك هدومها عشان أغير لها، وفجأة وقعت من وسط هدوم البنت إزازة صغيرة كانت حماتي حاطاها في لفة البنت وهي بتخطفها
مني ليلتها.. مسكت الإزازة بإيد بتترعش، كانت عبارة عن مركب كيميائي تقيل، وعليها لزقة مكتوب عليها بخط إيدها نقط الراحة.
دموعي نزلت، بس مش ضعف، كانت دموع حسم. في نفس اللحظة تليفوني رن، كان المحامي يا مدام منى، النيابة قررت تجديد حبس حماتك 15 يوم بعد ما الشهود في المستشفى أكدوا حالتها، وأحمد جوزك مطلوب للشهادة، ولو ثبت إنه كان عارف، هيتحول من شاهد لمتهم.
قفلت السكة، وبصيت لنور اللي كانت نايمة ووشها هادي، لأول مرة مفيش صوات، مفيش مغص، مفيش نقط بتقتلها بالبطيء. مسكت الإزازة ورميتها في الزبالة بكل قوتي، كأني برمي الماضي كله ورا ظهري.
أحمد بعت رسالة في نص الليل سامحيني، أنا ضيعتكم وضيعت نفسي.
مسحت الرسالة وعملت له بلوك، مش بس من التليفون، من حياتي كلها. نمت جنب بنتي وأنا عارفة إن بكرة مش سهل، بس على الأقل، بكرة ده ملكي أنا وهي، ومفيش كبيرة تانية هتحكم في مصيرنا غير قلبي اللي اتعلم أخيراً إمتى يقسى عشان يحمي.
حكايات_انجي_الخطيب
مرت الأسابيع تقيلة، بس كان فيها نوع من التشافي، نور بدأت تضحك، ملامحها نورت، ووزنها بدأ يزيد بعد ما جسمها اتخلص من سموم ست الحبايب. وفي يوم الجلسة، وقفت قدام باب المحكمة، شادة ضهري ولابسة أسود، مش حزناً، لكن كأني في جنازة الماضي اللي دفنته بإيدي.
دخلت القاعة، لقيت أحمد قاعد في أول صف، منهار، وأمه واقفة ورا القفص، وشها اللي كان دايماً مليان جبروت بقى دبلان، والشرر اللي في عينيها اتحول لنظرات انكسار بتحاول تستعطف بيها اللي رايح واللي جاي. أول ما شافتني، بدأت تصوت وتخبط على الحديد يا منى يا بنتي، اتقي الله فيا، أنا في مقام أمك! عايزة ترميني في السجن وأنا في العمر ده؟
بصيت لها بنظرة خالية من أي مشاعر، وقلت بصوت واطي بس سمعه كل اللي واقفين الأم بتدي حياة، مابتسحبهاش بالنقط.. إنتي كنتي بتموتي حتة مني عشان تملكي ابنك، والنهاردة العدل بيقول كلمته.

القاضي دخل، وساد الصمت. المحامي بتاعي قدم إزازة النقط اللي لقيتها في هدوم البنت، وقدم تقارير طبية بتثبت إن حالة البنت اتحسنت فور ابتعادها عن البيئة المسمومة دي. لما جه الدور على أحمد عشان يشهد، وقف قدام المنصة، لسانه كان مربوط، بص لأمه اللي بتترجاه بعينيها، وبصلي أنا وأنا رافعة راسي.
أحمد نطق بصوت مكتوم أنا.. أنا كنت بشوف أمي بتدي البنت نقط، وكنت فاكرها أعشاب طبيعية زي ما كانت بتقولي.. أنا غلطت إني وثقت فيها أكمل من مراتي، وغلطت إني سكت.
القاضي سأله بحدة يعني كنت عارف إنها بتديها مواد غريبة وسكت؟
أحمد انهار وبدأ يعيط كنت خايف على زعل أمي، مكنتش فاكر إنها بتأذي ضنايا!
في اللحظة دي، القاضي نطق بالحكم حبس المتهمة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، وإحالة الأب للتحقيق بتهمة الإهمال الجسيم في رعاية قاصر.
صراخ حماتي وهي بتتسحب للداخل كان بيملا القاعة، وأحمد وقع على الأرض وهو بيشوف أمه بتضيع ومستقبله بيتهد. خرجت من القاعة، الهوا بره كان نقي، كأني أول مرة أتنفس بجد من يوم ما اتجوزت.
أحمد جرى ورايا وهو بيصرخ يا منى استني! خلاص حقك جيه، أهو المحامي هيخلص إجراءات الطلاق بالود، بس بلاش تحرميني
من نور، أنا مليش ذنب في اللي أمي عملته!
وقفت وبصيت له بأسى ذنبك إنك كنت نص راجل، والنص ده هو اللي سمح لغيرك يدوس عليا وعلى بنتك. نور هتشوفك يا أحمد، هتشوفك عشان تعرف إن الأم اللي كانت فاشلة في نظرك، هي اللي حمتها من حكمة جدتها ومن ضعف أبوها.
ركبت عربيتي، وطلعت على بيتي الجديد، شقة صغيرة بفرش بسيط، بس مفيهاش ريحة غل ولا نقط مهدئة. دخلت لقيت نور صاحية، شيلتها ورفعتها للسما وقلت لها خلاص يا ست البنات، الحق ظهر، والبيت ده مش هيدخله غير اللي بيحبنا بجد.. مفيش نوم تاني بالإجبار، مفيش غير الضحك وبس.
قفلت الباب ورايا، ولأول مرة من سنين، نمت وأنا مش خايفة من بكرة، لأن بكرة بقى ملكي، وبنتي
في حضني، والحقيقة مابقاش ليها وشين.
عدت الشهور، والحياة اللي كانت عبارة عن صرخة مكتومة في نص الليل، اتحولت لهدوء حقيقي. نور كملت سنتها الأولى، وعملت لها حفلة صغيرة في بيت بابا، كانت لابسة فستان أبيض ومنطلقة في الصالة، لا مغص، ولا خمول، ولا عيون مقلوبة لفوق. كانت بتبص لي وتضحك، وضحكتها دي كانت الصك اللي بيمحي كل وجع عشته في البيت القديم.
أحمد كان بيجي يشوفها ساعة كل أسبوع في نادي رياضي، تحت إشراف أخويا محمود. كان بيقعد بعيد، مكسور، عينه دايماً بتدور على السماح في عيني، بس أنا كنت بقابل نظراته بابتسامة باردة ومجاملة، مفيهاش ذرة ندم ولا حنين. هو خسر نور اليوم اللي ساب فيه إيدها تتشد من حضني، والجرح اللي بيسيبه الخذلان، مبيلموش ألف اعتذار.
أما حماتي، فكان بيوصلني أخبارها من بعيد؛ عايشة في سجنها، مش بس بين أربع حيطان، لكن سجن من كلام الناس ونظراتهم. الست اللي كانت شايفة نفسها كبيرة العيلة والست البركة، صورتها اتهزت وبقت في نظر الكل الست اللي سقت حفيدتها موت عشان تفرض سيطرتها.
في يوم، كنت قاعدة في البلكونة بالليل، ماسكة كوباية شاي ونور نايمة في حضني بأمان. فجأة افتكرت ليلة المستشفى، ورجليا اللي كانت حافية في الشارع. بصيت لرجليا دلوقتي، لقيتني ثابتة، واقفة على أرض صلبة، ومستقبلي أنا وبنتي في إيدي مش في إيد حد تاني.
فتحت مذكراتي وكتبت في آخر صفحة الأمومة مش بس حضن وطبطبة، الأمومة هي القوة اللي بتخليكي تقف في وش الدنيا وتدوسي على قلبك عشان تحمي روح تانية. أنا مكنتش فاشلة يا أحمد، أنا كنت بس محتاجة أصدق نفسي أكتر ما أصدقكم.
قفلت الكشكول، وبوست راس بنتي، ونمت نوم عميق ومريح.. النوم اللي مبيجيش بنقط مهدئة، لكن بييجي براحة البال وحق رجع لأصحابه بعد طول عذاب. كانت النهاية مش بس خروج من سجن، كانت بداية لست جديدة، عرفت إن صوتها هو اللي بيحمي، وسكوتها هو اللي كان بيقتل.

تمت 
حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط