الجدة الطالمة حكايات انجى الخطيب
المحتويات
رسمي باللي الدكتور قاله، دي جناية.
حماتي أول ما سمعت كلمة جناية وقسم، وشها اللي كان مرسوم عليه القوة طول السنين اللي فاتت اتهبد في الأرض، وقعت على ركبها في طرقة المستشفى وهي بتصرخ بهستيريا يا خرابي! قسم إيه؟ أنا ست حجيت بيت ربنا! أنا كنت بريح البت عشان أمها الهملة دي بتسيبها تصرخ! اسألوا أحمد.. اسأله يا باشا، أنا اللي شايلة البيت ده على كتافي!
أحمد وطى عليها، ملامحه كانت مزيج من القرف والشفقة، بس المرة دي مكنش قادر يدافع. شديت نفسي ووقفت قدامهم، وجسمي كله بيترعش من القهر دلوقتي بقت هملة؟ دلوقتي الست اللي حجيت بيت ربنا بتسقي رضيعة مهدئات عشان تخرسها؟ بصيت لأحمد وقلت له بصوت طالع من محروق شوفت البركة؟ شوفت الخبرة اللي كنت بتعايرني بيها؟ أمك كانت بتغيب بنتنا عن الوعي عشان تثبت لك إنها شاطرة وإني فاشلة.. إنت كنت بتساعدها تقتل بنتك يا أحمد، كل مرة كنت بتزعق لي فيها وتخطف البنت مني تديها لها، كنت بتمضي على موتها بإيدك!
أحمد حاول يمسك كتفي وهو بيعيط والله ما كنت أعرف.. والله يا منى فكرتها بتعرف تسكتها بالهدهدة، عمري ما تخيلت إنها تعمل كده!
زقيت إيده بقرف عشان إنت مكنتش عايز تشوف.. كنت عايز تريح دماغك وتصدق إن أمك
أمين الشرطة مدهمش فرصة، سحب حماتي من دراعها وهي بتصوت وتدعي عليا حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، خربتي بيتي وبتجرجري حماتك للمحاكم!، وأحمد مشي وراهم وهو مكسور، عينه في الأرض، مش قادر يبص في عيني ولا حتى قادر يدافع عن الست اللي ربت تلاتة.
قعدت على الكرسي الخشبي البارد قدام باب العناية، بصيت لرجليا الحافية اللي اتجرحت من مشوار الشارع، ولهدوم البيت المتبهدلة.. كنت شبه الميتين، بس لأول مرة أحس إن الغشاوة اتشالت من على عيني. الصمت اللي في الطرقة مبقاش مرعب، بقى صمت الحساب.
بعد ساعة، الممرضة خرجت وهي بتطمني الحمد لله، البنت بدأت تفوق ونفسها انتظم، تقدري تدخلي تشوفيها دقيقة واحدة.
دخلت، لقيت نور فاتحة عينيها، ملامحها كانت دبلانة بس بدأت ترجع لطبيعتها. مديت إيدي لمست صوابعها الصغيرة، وبهمس مسموع قلتهالها خلاص يا نور.. الكابوس خلص، مفيش حد هيلمسك تاني، ولا حد هيخرس صوتك طول ما أنا عايشة.
في اللحظة دي، عرفت إن اللي انكسر بيني وبين أحمد مبيتصلحش، وإن البيت اللي كان مقفول على وجعي، اتفتح بابه للريح وللحق، ومش هيتقفل تاني أبداً على ظلم.
الصبح طلع، بس مكنش صبح عادي، كان فيه نور غريب كاشف كل الزوايا
قرب بخطوات مهزوزة وقال بصوت واطي منى.. أمي اتحبست 4 أيام على ذمة التحقيق، المحامي بيقول الموضوع صعب لأن الدكتور قدم تقرير مفصل بكل المرات اللي البنت دخلت فيها المستشفى بحجج تانية.. أنا.. أنا مش عارف أقولك إيه.
بصيت له ببرود يجمّد المايه، وقلت له ماتقولش، الكلام خلص من ساعة ما سبتها تشدها من حضني وإنت بتزعق وتقول أمي بتفهم عنك. إنت مش بس خذلتني كزوج، إنت خذلت بنتك اللي كانت بتموت وإنت واقف حارس على الباب عشان تمنعني أنقذها.
أحمد انهار وقعد على الكرسي، حط راسه بين إيديه وبدأ يشهق كنت مغمى عيني، كنت فاكر إنها بتخاف عليها أكتر مني، كانت دايماً تقولي إنتي لسه صغيرة ومبتعرفيش.. والله يا منى ما كنت أعرف إن قلبها قاسي لدرجة السم!
وقفت قدامه وبكل قوة قلت له الجهل مش مبرر، والسكوت على الظلم مشاركة فيه. بنتي مش هترجع البيت ده تاني طول ما فيه ريحة لأمك، ولا هترجع له وإنت فيه طول ما إنت خيال مآتة بيمشي بكلمة منها.
قطع كلامنا دخول المحامي
أحمد بصلي بصدمة خلع يا منى؟ بعد كل ده؟ عشان غلطة؟
ضحكت بوجع وقهر غلطة؟ دي كانت جريمة قتل منظمة! كانت بتطفي بنتي عشان تضيء هي في عينك.. كانت بتسقيها مهدئات عشان تظهر هي الست الحكيمة وإني الأم العصبية الفاشلة. دي مش غلطة يا أحمد، دي خسة، وإنت كنت المتفرج الأول.
الممرضة جت وبلغتني إن نور حالتها استقرت وممكن تخرج بكرة. في اللحظة دي، حسيت إن روحي هي اللي رجعت لي مش بس بنتي. بصيت لأحمد وقلت له بمنتهى الحسم اخرج بره، وبلغ المحامي بتاعك إن مفيش تنازل، واللي عملته أمك في نور هتدفع تمنه من حريتها، وإنت هتدفع تمن خذلانك من حياتنا.. بره!
خرج أحمد وهو بيجر خيبته وراه، مكسور ومنطفي، ولأول مرة في حياتي محسيتش ناحيته بأي شفقة. قعدت جنب سرير بنتي، شيلتها بحذر وحضنتها قوي، شميت ريحتها اللي بدأت ترجع طبيعية بعيد عن ريحة الأدوية المرعبة.
بصيت للشباك،
متابعة القراءة