عـزومة العيـد الاضحـي كـاملة حكـايات انجي الخطيب
بيدي قوة غريبة.
ماما انتبهت أخيراً وقالت باستنكار إيه ده؟ إنتي رايحة فين؟ لسه هنشرب الشاي!
بصيت لها بنظرة هادية جداً، النظرة اللي بتيجي بعد ما الواحد بياخد قراره الأخير ومش مستني نقاش.
قلت لها بصوت واطي بس مسموع للكل الشاي شربناه يا ماما.. والواجب عملناه، والرسالة وصلت.
بابا نزل الجرنان من قدام وشه وبص لي بحدة في إيه يا بنتي؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ إنتي كبرتي الموضوع ليه؟ دي حتة رقاق، والعيال بتهزر.
في اللحظة دي ياسين كان ماسك في طرف عبايتي، كأنه بيستمد مني الأمان. رديت على بابا وأنا بفتح باب الشقة الموضوع عمره ما كان حتة رقاق يا بابا، الموضوع إن ابني ملوش مكان هنا لو مكنش على الكيف. هو مأذنبش عشان يتحرم، هو بس سأل سؤال، بس إنتوا قررتوا تكسروا فرحته في يوم العيد عشان تثبتوا إنكم أصحاب القرار.
فتحت الباب وخرجت أنا وياسين، ومن ورايا سمعت صوت ماما وهي بتقول لمنة بصوت عالي سبيها.. هي طول عمرها كدة، بتحب تعمل دراما من مفيش، بكرة تهدى وترجع تعتذر زي كل مرة.
مردتش.. نزلت السلم
قلت له بابتسامة حقيقية هنروح نشتري أكبر صينية رقاق وأحلى لحمة، وهنشوي في البلكونة عندنا، وهنفتح التتبيلة اللي إنت عملتها.. والنهاردة عيدنا بجد.
ياسين ضحك، وضحتكه دي كانت عندي بالدنيا كلها.
مرت الساعات، والموضوع بدأ يهدى جوايا، لغاية ما الساعة جت ١٠١٣ بالليل. تليفوني نور برسالة من بابا. كنت فاكرة إنه هيلومني، أو هيقول لي تعالي صالحي أمك، لكن الرسالة كانت صادمة
حولي القسط بتاع الشقة الصبح.. وإعملي حسابك المصاريف زادت.
بابا كان دايماً بيستغل إني مشاركة معاهم في أقساط شقة العيلة كنوع من لوي الدراع. الرسالة مكنتش عن اللي حصل، كانت رسالة بتقول لو عايزة تستقلي بكرامتك، ادفعي الثمن.
مسكت التليفون، وفتحت تطبيق البنك. مكنتش محتاجة أفكر ولا ثانية.
حولت المبلغ، بس مش قسط الشهر ده.. حولت مبلغ التخالص النهائي من نصيبي في الشقة، وبعت له وصل التحويل، وكتبت تحتيه جملة
تم التحويل.. ومبروك عليكم الشقة، ومبروك عليا ابني وكرامته.
عملت بلوك للكل، وطفيت النور، وقعدت جنب ياسين وهو نايم وبيبتسم في حلمه.. لأول مرة من سنين، أحس إن العيد فعلاً جه.
بعد ما بعت الرسالة وقفلت التليفون، حسيت بهدوء غريب لف البيت، كأن الهوا بقى أخف. ياسين كان نايم في الأوضة التانية، ملامحه هادية ومرتاحة، وده كان عندي أهم من أي شقة أو ورث أو لمة عيلة كدابة.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت زقزقة العصافير وشمس العيد داخلة من الشباك. مكنش فيه تليفونات بترن، ولا ضغط أعصاب، ولا انتظار لتقييم حد. قمت عملت فطار لياسين وليا، فطار ملوكي زي ما بيقولوا، وقعدنا في البلكونة اللي ياسين كان نفسه يشوي فيها.
ياسين بص لي وهو بياكل وقال ماما، هو إحنا زعلانين من تيتة وجدو؟
نزلت لمستواه، مسكت إيده وقلت له يا حبيبي، إحنا مش زعلانين، إحنا بس قررنا إننا نحب نفسنا ونحترمها. البيت اللي ميفرحش بيك يا ياسين، ميبقاش بيتنا. إحنا بيتنا هنا، مطرح ما بنضحك وبنقدر بعض.
ياسين هز راسه كأنه فهم كلام
قلت له طبعاً، وهتكون أحلى لحمة دقتها في حياتك.
طول اليوم، كنت حاسة براحة نفسية مش طبيعية. البلوك اللي عملته مكنش بس على التليفون، كان بلوك لكل محاولاتهم إنهم يحسسوني إني قليلة أو تابعة.
بعد يومين، جالي إيميل من بابا بما إنه مش عارف يوصلي تليفونياً. كنت فاكرة إنه هيكرر كلامه عن الفلوس، بس الإيميل كان مختلف. كتب جملة واحدة
البيت بقى فاضي يا منى، والرقاق محدش لمسه.
قريت الجملة ومتهزتش شعرة واحدة فيا. هما مش زعلانين على فراقي، هما زعلانين على الضحية اللي كانت بتستحمل ومبتردش، زعلانين إن السفرة مفيهاش حد يمارسوا عليه أدوار البطولة والقسوة.
مسحت الإيميل، وقفلت اللاب توب.
بصيت لياسين وهو بيلعب، وحمدت ربنا إن القسط اللي دفعته النهاردة مكنش فلوس بس، كان تمن حرية ابني من إنه يطلع مكسور أو بيسترضي الناس على حساب
كرامته.
العيد خلص، بس حياتي الجديدة هي اللي بدأت. حياة مفيهاش قوانين سمنة بلدي، فيها بس حب حقيقي.. وبس.
النهاية بقلم انجي الخطيب