عـزومة العيـد الاضحـي كـاملة حكـايات انجي الخطيب

لمحة نيوز

الجزء الأول
بيت بابا وماما في أول يوم العيد كان دايمًا له ريحة مميزة.. ريحة شواء اللحمة الضاني، وريحة القوانين الصارمة.
اللحمة كانت بتدوب في البق، لكن القوانين كانت ناشفة ومبتتكسرش لازم الكل يتجمع قبل صلاة العيد، لازم نلبس أشيك ما عندنا، لازم نضحك على حكاوي بابا القديمة عن أيام الزمن الجميل، وطبعاً لازم نسيب ماما ترسم لوحة العيلة السعيدة اللي بطلتها أختي منة وولادها، باعتبارهم الأحفاد اللي يرفعوا الراس.
وصلت أنا وياسين ابني الصبح بدري، وياسين كان شايل في إيده علبة فيها تتبيلة لحمة هو اللي محضرها ببيضة ومستني اللحظة اللي هنبدأ فيها الشوي. كان طول الطريق يسألني يا ماما تفتكري جدو هيخليني أشوي معاه؟ أنا بقيت كبير وعارف إزاي أهوي على الفحم. ياسين عنده عشر سنين، ولسه قلبه أبيض، فاكر إن الوعود اللي بتتقال في العيد دي عقود مبيتمش الإخلال بيها.
دخلنا البيت، كان عمر وملك ولاد منة، مبهدلين الصالة بلبس العيد الجديد، وصوتهم جايب آخر الشارع. ماما كانت واقفة

وسط المطبخ، لابسة الطقم اللي مخصصاه لاستقبال الضيوف، وأول ما شافت منة، فتحت دراعاتها وضحكت ضحكة الرضا التام، كأن منة هي الوحيدة اللي جايبة معاها العيد.
ياسين قرب من جدته وهو شايل التتبيلة تيتة.. بصي، أنا عملت الخلطة دي مخصوص عشان نشوي بيها النهاردة، حطيت فيها كل الحاجات اللي بتحبيها.
ماما بصت للعلبة بطرف عينها، نفس البصة اللي بتبصها للهدوم اللي قدمت ومبقتش تتلبس. قالت ببرود ماشي يا حبيبي، حطها هناك على الرخام، وراحت جابت تتبيلة جاهزة كانت شرياها من بره وحطتها في البولة الكبيرة الغالية.. وعلبة ياسين اتركنت في ركن ضلمة ورا الأطباق، كأنها كركبة ملهاش لزمة.
حسيت بوجع في قلبي، بس كتمت. أنا متعودة أكتم في البيت ده عشان المركب تمشي.
وقت الغداء، بدأت مراسم الفتة واللحمة. بابا كان بيوزع اللحمة كأنه بيوزع أوسمة عسكرية. يدي لعمر وملك الحتت الملبسة اللي بيحبوها، ويضحك معاهم ويقول كلوا يا حبايب جدو، أنتم اللي بتنوروا العيد.
ياسين سأل ببراءة وهو بياكل جدو، هو
إحنا ليه مش هنشوي في البلكونة زي ما قلت لي الأسبوع اللي فات؟
ماما ضحكت ضحكة صفرا وبصت لياسين وقالت أصل في ناس حركتها كتيرة وممكن يبهدلوا لنا الدنيا، والشوي ده عايز ناس هادية وبتفهم في الأصول. وقصدت بكلمة ناس دي ابني، قدام الكل.
ياسين وشه جاب ألوان، ونزل عينه في الطبق وبطل يسأل.
استحملت وكملت أكلي بسكوت. عارفة إن أي كلمة هقولها هتتحول ل نكد وهبقى أنا اللي بوظت فرحة العيد وبابا هيفتح في موال إنتي طول عمرك غيورة وحساسة بزيادة.
بعد الغداء، جه وقت صينية الرقاق الحلو اللي ماما مشهورة بيها في العيد. ريحة السمنة والسكر كانت مالية المكان. ياسين كان مستني اللحظة دي، وكان بيساعد في نقل الأطباق الصغيرة بمنتهى الأدب، كأنه بيحاول يصالحهم على ذنب هو ميعرفش إيه هو.
ماما بدأت توزع.. قطعة كبيرة لعمر، وقطعة أكبر لملك، ومنة قاعدة بتصورهم ستوري ومبسوطة.
ياسين وقف قدام ماما، مستني طبقه، وعينه بتلمع بالأمل.
ماما سابت المعلقة، وبصت له ببرود وقالت لا.. ياسين ملوش رقاق النهاردة،
هو مأثبتش إنه يستحق بعد التجاوزات اللي عملها الصبح. تقصد سؤاله عن الشوي.
الهدوء اللي ساد الأوضة كان يذبح. هدوء الظلم اللي الكل شايفه ومحدش عايز يتكلم فيه عشان ميخربش اللمة.
ياسين همس وهو مش فاهم حاجة أنا أسف يا تيتة لو زعلتك.
في اللحظة دي، عمر ابن أختي خبط على الطبق وقال تيتة، الحتة دي طعمها تحفة، عايز واحدة كمان!
ماما وشها نور فجأة، وضحكت وقالت عيوني يا حبيب تيتة، الصينية كلها فداك. وقطعت له حتة تانية وحطتها في طبقه، وياسين واقف بيتفرج بكسرة نفس متمناش لعدو يشوفها في ابنه.
هنا، الغليان اللي جوايا وصل لمرحلة السكون التام.
ياسين مال على كتفي وهمس بصوت مكتوم ماما.. عادي، أنا مش جعان أصلاً.. يلا نمشي؟
الجملة دي كانت القشة اللي قطمت ضهر الصبر اللي عندي. ابني بيعتذر لي وهو المظلوم، وبيدور لي على مخرج عشان ميحرجنيش.
قمت من غير ولا كلمة، روحت ناحية شماعة الهدوم، وجبت جاكيت ياسين وكوتشيه.
لبسته الجاكيت، وربطت له الكوتشي وأنا إيدي حديد، متهزتش ثانية واحدة.
الغضب لما بيبقى حق
تم نسخ الرابط